مساهمات

تصويت المخيال … صورة المرأة في الانتخابات

الدكتور محمد بغداد

تشهد الانتخابات البرلمانية الجزائرية، المقرر إجراؤها في الرابع من شهر ماي ألفين وسبعة عشر، حضورا غير مسبوق للمرأة، من خلال الارتفاع المذهل لعدد ملفات إعلان الترشح من قبل المرأة، وفي مختلف الأحزاب والقوائم الحرة، وقد بلغت عدد ملفات إعلان الرغبة في الترشح للنساء، قرابة نصف مليون امرأة، يتنافسون على مقعد مخصص للنساء، الذي يصل التمثيل النسائي ثلث الأعضاء، حسبما أقره التعديل الدستوري لسنة ألفين وثمانية.

إن العدد غير المسبوق لحضور المرأة في الانتخابات التشريعية البرلمانية، شكل أزمة حقيقية لقيادة الأحزاب السياسية، الذين وجدوا أنفسهم تحت صدمة التعامل مع الحضور المكثف للمرأة، والذي يثير الكثير من التساؤل، ويفتح المجال أمام أفاق جديدة في طبيعة الممارسة السياسية في الجزائر، ويبرز ملامح تحول عميق في الثقافة الاجتماعية، وما طبيعة التحولات في بنية العلاقات الديمغرافية، والتداعيات المستقبلية لموقع ودور المرأة في المجتمع الجزائري.

  •     التحول المزعج

أكد التعديل الذي أدخل على الدستور الجزائري سنة 2008، على إرادة الدولة الجزائرية في العمل على ترقية الحقوق السياسية للمرأة، وقد تم تجسيد ذلك في قانون توسيع حظوظ مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة، ليتم الشروع في تنفيذ ذلك رسميا خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2012، ليرتفع عدد النساء في البرلمان الجزائري إلى 145 امرأة من أصل 462 مقعدا، لتصبح الجزائر تحتل بذلك المرتبة الـ25 وفق التصنيف العالمي، ونظرا لهذا التحول الدستوري والتجسيد القانوني، وجدت الأحزاب السياسية صعوبات كبيرة، في خوض الانتخابات التشريعية والمحلية، انسجاما مع الاشتراطات القانونية، التي تفرض حضور ثلث القائمة الانتخابية المترشحة من النساء.

وتكمن الصعوبات في الثقافة الاجتماعية، التي تراكمت عبر العصور، والتي وضعت المرأة في المستوى التقديسي، وإبعادها عن الممارسة السياسية المباشرة، في مقابل الحضور الطاغي للمرأة في إدارة الشأن العام والقيام بأدوار تاريخية فاصلة، خاصة في المحطات الكبرى، وبالذات في مقاومة الاستعمار، والإشراف على العديد من المؤسسات الاجتماعية والخدماتية والدينية، لتأخذ مساحة واسعة في المخيال الاجتماعي، عبر تسميات المواقع والمناسبات بأسماء شخصيات نسائية، وكانت الثورة التحريرية الكبرى، المحطة الأهم التي عرفت مشاركة قوية للمرأة، ومساهمة فارقة في تحرير الجزائر، إلا أن الممارسة السياسية المباشرة، عرفت منذ الاستقلال، تراجعا كبيرا للمرأة، في المؤسسات السياسية، مما ترتب عليه ابتعاد كبير عن المجالس المنتخبة، الأمر الذي فهمته بعض النخب على أنه إقصاء وتهميش للمرأة، وحملت هذه النخب المسؤولية للثقافة الاجتماعية المتوارثة، وذهب بعضها إلى إتهام الثقافة الدينية، بكونها الحاجز الذي يمنع المرأة من الحضور السياسي، كما تزامن ذلك مع مصادقة الجزائر على الاتفاقيات الدولية، التي تلزم إشراك المرأة في الحياة السياسية، وما تفرضه الضغوط الدولية الغربية على المجتمعات الشرقية، في الذهاب نحو إجراء التعديلات القانونية والدستورية، التي تفرض الإشراك الإجباري للمرأة في الحياة السياسية.

  • المعبر الصعب

بصعوبة كبيرة تمكنت الأحزاب السياسية الجزائرية، خوض الانتخابات البرلمانية والمحلية لسنة 2012، وفق الاشتراطات القانونية التي نتجت عن التعديل الدستوري، وقانون ترقية الحقوق السياسية للمرأة، بسبب عدد القدرة على إقناع النساء بالترشح للانتخابات، مما أجبرهم على القيام بسلوكات غير معتادة، مثل ممارسة الإغراء والإكراه والترغيب لدفع المرأة إلى الترشح، مما دفع عددا كبيرا من النساء إلى التقدم للانتخابات، مكرهات ومجبرات، وتجلى ذلك في الحملة الانتخابية، أين وجدت الكثير من الملصقات الإشهارية للمترشحين من دون صور النساء المترشحات، ووضع الأسماء فقط، وذهب البعض إلى وضع صور مبهمة للنساء.

وقد تم الكشف من بعض الأحزاب بعد الانتخابات، أن هذه الأحزاب استخدمت نفوذها في الضغط على النساء لتقديمهم للترشح، وذلك عبر استخدم الضغوط العلائقية والقرابة والمهنية، لدفع النساء وإجبراهن على الترشح، بسبب قرار أغلب النساء رفض الترشح، بسبب التراكم المفاهمي والثقافة السائدة في المجتمع، وأن المرأة تعتبر خوض الصراعات الحزبية والصدامات السياسية يقلل من مكانتها الاجتماعية والأخلاقية، خاصة وأن أهم المواقع التي تولتها المرأة في المجتمع تمثلت في مواقع الخدمات الطبية والتعليم والإدارة، وما يجاورها من مواقع التي وفرت لها العديد من المكاسب، والمكانة التي توفر لها امتيازا أدبيا ومعنويا في المجتمع.

  • الشرف المهدور

كان أول ردود الفعل المجتمع، على التعديلات الدستورية، وإقرار قانون ترقية الحقوق السياسية للمرأة، والنتائج التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية والمحلية، التي جعلت من ثلث البرلمان والمجالس المحلية من نصيب المرأة، تمثل رد الفعل في الإعلان عن موقف ثقافي اجتماعي، بإطلاق كلمة (حفافة) أي الحلاقة، على المرأة البرلمانية، وهي عبارة تبرز المكانة المتدنية أخلاقيا في المجتمع، وقد بذلت وسائل الإعلام والوسائط الاتصالية جهدا كبيرا في توسيع المفاهيم المتعلقة بهذه العبارة، مما ترتب عنه تسويق صورة بشعة عن المرأة، التي توجد في المجالس المنتخبة، والتي أصبحت تحمل الصورة المشوهة والمسيئة للمرأة، مما نتج عنه استقالة عدد معتبر من النساء في المجالس المنتخبة، خاصة في المجالس المحلية، وبالذات في المدن الصغيرة والأرياف.

لقد تمكنت وسائل الإعلام والوسائط الاتصالية، من ترسيخ معاني ودلالة كلمة (حفافة) أي الحلاقة، في المخيال الاجتماعي، ليكون موقف عام من المجتمع، ورد فعل عنيف يستهدف شرف المرأة وكرامتها، كون خلفيات ذلك لا يرجع كما تصور البعض إلى الثقافة التقليدية المتوارثة، ولا يرجع إلى النفسية الجماعية الاقصائية، ولا يمكن في تهميش المجتمع للمرأة، وإنما حقيقة هذا الموقف تكمن في طبيعة الإكراه الذي يمارسه قانون ترقية الحقوق السياسية للمرأة، الذي يجبر الناخب على انتخاب المرأة ويوفر لها فرصة النجاح، ولا يحقق المساواة بين الرجل والمرأة، وإنما يعاقب المجتمع ويضغط عليه، من أجل انتخاب المرأة.

وحسب المنطق الديمقراطي، وثقافة المساواة، فإن المرأة تمارس النشاط السياسي والتقدم للترشح، كونها مواطن متساوي الحقوق والواجبات مع الرجل، ويجعل من المنافسة الانتخابية، فيها تكافؤ الفرص، إلا أن قانون ترقية الحقوق السياسية للمرأة، يجبر المجتمع على انتخاب المرأة، ويكرهه على التصويت لصالح النساء، ويحقق توفي الثلث في المجالس المنتخبة للنساء، ويقصى الرجل بطرق تعسفية، حسبما فهمه المجتمع ومارس سلوكه العنيف.

  • الهجوم المضاد

 

بعد مرور العهدة الانتخابية الأولى ألفين واثنا عشر ألفين وسبعة عشر، للتعديل الدستوري وتنفيذ قانون ترقية الحقوق السياسية للمرأة، واعتماد ثلث المجالس المنتخبة للمرأة، والجدل العنيف الذي عرفته هذه العهدة، وما لحق صورة المرأة من أضرار وخسائر أدبية، وتشويه صورتها في المخيال الاجتماعي، وعكس ما كان متوقعا من سلوكات ومواقف، إلا أن منطق الأشياء، يقول إن لكل فعل رد فعل مساوي في القوة، ومعاكس في الاتجاه، وهو ما يكون العامل المفسر للإقبال غير المتوقع للمرأة في إعلان نية الترشح، وتقديم الملفات إلى كل الأحزاب التي تخلصت من مشكلة البحث عن النساء، وانتقلت إلى أزمة تلبية طلبات النساء والاستجابة لطلباتهن، والاستجابة لرغباتهن في الترشح.

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن عدد ملفات إعلان نية الترشح، وصلت نحو قرابة نصف مليون امرأة ترغب في الترشح للمجالس المنتخبة المختلفة الوطنية والمحلية، وهو الرقم الذي يشكل علامة فارقة في التحولات التي يعرفها المجتمع الجزائري.

وحسب المتتبعين، فإن ذلك ينسجم مع الارتفاع الواضح لعدد الإناث في المجتمع، الذي تجاوز الخمسة والخمسين في المائة من عدد السكان، وأن العديد من القطاعات تعرف ارتفاعا لعدد الإناث، وتشكل نتائج الامتحانات في قطاع التعليم مؤشرا مهما في هذا الاتجاه، أين تشكل نسبة نجاح الإناث النسبة العالية، وأن العديد من المؤسسات الكبرى، يشكل حضور المرأة فيها المساحات الواسعة، حتى أن بعض المواقع بدأت تبرز مؤشرات التوتر بسبب استحواذ النساء على المناصب ومواقع اتخاذ القرار.

 

  • الملامح القادمة

 

تؤكد الكثير من الدراسات والأبحاث الميدانية، أن الحضور الكبير للمرأة في الانتخابات الجزائرية، يأتي في سياق تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، وانتقال مراكز اتخاذ القرار، نحو الاستحواذ من قبل النساء، خاصة بعد النزعة الاستقلالية الذاتية، وبشكل من أساليب العنف، في إطار ردود الأفعال المتطرفة، ويبرز ذلك في النسبة المرتفعة جدا لحالات الانفصال الاجتماعي، وتزايد قرارات الطلاق والصدامات العنيفة التي تشكل المحاكم مضامين الفصل فيها، زيادة على التعديلات التي تم إدخالها على قانوني العقوبات والإجراءات الجزائية، وهي التي تؤكد أن من بين أهم الإفرازات الاجتماعية التي ستفرزها الانتخابات القادمة، ستكون مرحلة جديدة في صراع المخيال الإعلامي، الذي سيتورط أكثر في الأزمات الاجتماعية مستقبلا، والتي يتوقع أن تضيف المزيد من مستويات العنف، والصراع في بنيات المجتمع.

مقالات ذات صلة

إغلاق