مساهمات

اعرف مقامك… وزَن كلامك…

بقلم أ.د عائشة بوكريسة

كان للمواطن في الجزائر ثقافة تواصل إن لم تكن قوية مكنته من التحكم في بيئته والثقة بين أفراد مجتمعه، علما أن الأمية كانت متفشية في تلك الفترة بقوة ونسبتها جد عالية…

لم تكن جزائر ما بعد الاستقلال مرحلة سهلة على كل الجزائرين، بل كانت صعبة، وصفها الجميع بأنها مرحلة جهاد ثان وعمل، والكل فيها كان مطالبا ومعنيا برفع تحد كبير وغير هين: بناءُ الوطن.

ولكن الوضع كان بيَن ولم تكن الأمور لتختلط ببعضها البعض كما هو حالنا اليوم، لأن المنطلق كان من التعليم لتحضير تربية النشء، والانطلاق في بناء الاقتصاد، وترقية الخدمات، كل هذا من أجل صناعة دولة “الجزائر”.

كل فرد في هذا الوطن كان يشغله أمر واحد ووحيد، وهو أن يرفع شأن البلاد، فكان يعرف مستواه وقدره، ولا حاجة لمن يذكره بذلك، يعلم ما هي حاجته وما يجب أن يقوم به وما هو المنتظر منه من أجل صمود الجزائر.

إذن ماذا أصابنا اليوم؟ ليصبح مستوى تواصلنا ببعضنا وببيئتنا سيئا للغاية وبعيدا عن قيَمنا، وفي أغلبه اتجاه الاحتقار والعنف… لماذا هذا الانحراف في التواصل بيننا ونحن نعلم أنه لا يخدم بيئتنا؟

لقد أصبح همنا الوحيد… مصالحنا الفردية وابتعادنا عن أصالة أمتنا.

لقد عاش آباؤنا وأجدادنا في أجواء “استدمارية” مليئة بالذَل والمهان والاحتقار، وما كان هذا مبرراً لأسلافنا في انتهاج نفس أسلوب المستدمر، فكانت ثورتنا منهجا لأمم غيرنا للتدريس وتحرير أوطانهم… تلك هي أصالة أمتنا ضاربة في عمق تاريخ الجزائر.

وكانت التربية بخير ولم يمسسها سوء، بل عرفت البلاد نوعا من الازدهار، خاصة ما تعلق بالعلم… ما أعطي للعلم قيمة ومكانة عالية ومعتبرة، فكان كل فرد على معرفة بمقدار قيمة نفسه، فالمتعلم في مناصب العلم، والحرفي في مناصب الحرفة، والإداري في مناصب الإدارة، والسياسي في مناصب السياسة، والصانع في مناصب الصناعة، والتاجر في مناصب تجارية.

ولكن هذه الفترة ولت وتغير الوضع إلى مؤسف ومؤلم، لأن الإنسان غير المناسب يطمع في مكان غير مناسب له، والضريبة أن أصبح العلم ضعيفا، والثقافة مفقودة، والتاجر مخيفا والسياسي لا يفقه الكلام، والحرفي تخلى عن ما تصنع يداه… ونحن على مشارف الانتخابات البرلمانية نتساءل من سيكون في هذا المكان هذه المرة، من يفكر في الوعاء أم في مضمون ما فيه؟

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق