مساهمات

حرائق اللغة

ليلى محمد بلخير

الإنسان يحيا ضمن اللغة، وبها ينهض ويتواصل، ويحقق وجوده ورسالته. هي اللغة تفعل فعلتها بالتمثيل، وقص القصص كوخز الدبوس، أو جرس إنذار يقرع الآذان ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ إبراهيم14، التذكير في هذا الموضع كالصفعة التي توجه للغائب عن الوعي، ليس للنيل منه أو التشفي فيه، بل القصد أن يستفيق، ويباشر حياته من جديد؛ هي الحياة رواية ضخمة تزدحم فيها القصص والأحداث، تتشابه فيها الشخصيات والوقائع، وتأخذ اللغة موقعها المركزي في التعبير والتصوير، وضرب الأمثال؛ لماذا نشعر وكأن المثل يخاطبنا؟ وأن هذه القصة قصتنا؟ لأن المتكلم استطاع أن يبث الروح في الكلمات، فنتفاعل، ونهتز لما فيها من تركيبات واقعية وإشارات رمزية، تؤثر فينا، وقد تجعلنا نختار موقفا ما يعجبنا، فنصر عليه دون فهم أو روية أو اقتناع. فالتذكير الذي نادت به الآية الكريمة يتحول إلى تنفير، وشحناء عند من يفهم النصيحة تدخلا في خصوصياته، وتتحول اللغة في ذهنه إلى وحش كاسر بأظافر وأنياب، تجرح وتدمر، وقد تقتل بلا قطرة دم واحدة، وتضرم الحرائق. وكله نتيجة سوء تعاطيه مع اللغة، وفق نظام الاعتقاد الذي يملك، خاصة من جهة تضخيم المثال وتصغيره، وفق العدسة التي يحمل، فيخلق إضافات من أوهام، يصدقها ويسير وفقها في تفسير مغلوط وفاسد؛ ومن جهة أخرى يتشدد في فرضه على من معه بغطرسة اللغة ذاتها، وهذا تفسير لغوي واقعي لأسباب التفكك الأسري، الشقاق بين الزوجين، التناحر بين ذوي الأرحام؛ كل يتكلم بلغة مختلفة عن الآخر، وهم في دائرة أبجدية واحدة، كلمة واحدة تشعل حريقا مهولا في العلاقات الأسرية. ولنا في هذا المقام صورة من القرآن، باهرة في تمثيلها وحضورها، قال تعالى ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ النحل32، من هي هذه المرأة؟ لماذا لم يخبرنا القرآن عن اسمها؟ ما قصتها؟ هي صورة خاطفة، أو ومضة تذكرنا بأهمية الثبات على الطريق، لأن النكوص والتراجع نتيجته وخيمة ومخيبة؛ هي قصة امرأة تبذل جهدا طويلا في غزل صوفها، ثم تفسد ما صنعته في لحظة طيش فيضيع سعيها هدرا، تنطبق بدقة على من يخربون بيوتهم بأيديهم، بعد سنين طويلة من الجهد في البناء، وبدل الاستمتاع به، نقوض أركانه، ونبكي أطلاله، وفي هذا الموضع نذكر أن القرآن يعلمنا ألا نهتم بمن نقضت غزلها. بل ينصب الاهتمام على الفعل، فعل النقض، النقض الذي يهدم البناء، ذلك كي نتجنب الوقوع فيه، نتيجة وهم شيده فهم خاطئ. والخطاب القرآني هنا موجه للناس جميعا، لا يحده زمان ولا مكان، هي سنة كونية يعلمنا إياها القرآن كي تستمر الحياة، ويستمر البنيان، ما دام الثبات مطلب الإنسان في طول مساره.

مقالات ذات صلة

إغلاق