مساهمات

تغيير تصورنا للوجود:1 34) الإسلام و اللائكية

إن الاسلام اليوم في قفص الاتهام و محل كثير من الاستفهامات، في عالم ليس بعالمه ، عالم لم يُشكله و ليس له أيّ تأثير محدد عليه، و حتى في عقر داره و على أراضيه، لم يعد صاحب الكلمة المُسلم بها ،كون ذلك العالم الذي ليس بعالمه قد حط رحاله بهما أيضا و استوطانهما، ولم يشغل فقط المساحات الجغرافية الواسعة و انما تغلغل في التراكيب الذهنية لعدد كبير من رجاله و نسائه، لقد حقنهم بحقن تحتوي قيّما جديدة و معايير أخرى في التمييز و الحكم ،و دليلا لقوانين فعالة و أساليب للعيش الرغيد، برامج تعليم مهمة و قنوات تلفزيونية جذابة، لقد غرس فيهم العالم الحديث في جلدة الغرب.

لقد عاد الاسلام لحلقات النقاش في فترة تعرف فيها الديانات مصيرا مشتركا في كل بقاع الأرض: و هو ابعادها عن تسيير شؤون البشر و اعتبار ذلك من صلاحيات قيصر و ليس من صلاحيات الله، وجعلها في المجال الخاص ما عدا سلطتها الشرعية و الحتمية،و أحلوا محلها قوانين و تنظيمات من صنع الانسان قابلة للمراجعة و التكييف عند الحاجة، ذات بعد إنساني عالمي و إجباري و لا يمكن لأحد تجاهلها و إلاّ فسيُعاقب مباشرة، أما العقوبة في مختلف الديانات فيمكن ان تنتظر يوم الحساب في الآخرة.

و من هذا المنطلق، اصبحت الديانات اختيارية اما القانون البشري فقد أصبح اجباريا، ان الديانات تحظى بقداسة عقائدها و باحترام و صيانة شعائرها و بتشريف رجال الدين، و لكن لم يعد من الممكن أبدا أن تطمع في ادارة الشؤون العمومية، كما أنه لا يمكن متابعة أي كان بسبب عدم ايمانه أو بدعوى عدم تطبيقه للاوامر الالهية أو ما تحمله من جوامع الكلم الفلسفية.

إن المجتمعات البشرية كلها التي تشكلت عبر العصور منذ الجماعات البدائية الاولى الى الحضارات الأكثر تطورا قد اخذت تنظيمها ، قانونها الاجتماعي ، شرعية مؤسساتها و دلالات الاشياء و السلوكات فيها من نبع الالهام الديني العام أو من تشريع أُوحي به يتسم بالدقة و التفصيل، و قد استمر على تلك الشاكلة مدة ستة آلاف سنة.و لكن عصرنا هو العصر الذي شهد انتصار حضارة استفادت أيما افادة من كل الحضارات التي سبقتها، قبل ان يغمرها الاحساس، الى حد ما مؤسس، بأنها هي وحدها العالم و الانسانية و التقدم المعنوي و المادي،وأنها إذا ما بسطت اجنحتها فستعمر كل الكوكب بشكل طبيعي.

اما الحضارة هذه، و حتى توجد لنفسها حيزا داخل الامبراطورية الرومانية حيث ولدت بمجيء المسيحية، هي التي نادت بادئ ذي بدء بمبدأ الفصل بين ما هو روحي و ما هو دنيوي، بمعنى ضرورة وجود و بقاء التمييز بين مملكة السموات و مملكة الارض، فلكل من الله و قيصر حقوقه و يجب الا تنتقص السيادة الإلهية من السيادة البشرية شيئا.

ففي البدايات الاولى للمسيحية، كانت كلمة ” لايكوس “« laikos » (من اللاتينية لاووس laos و التي تعني الشعب) يقصد من وراءها عامة المسيحيين، مقابلة لـ ” كليريكوس “« clerikos » التي تعني المؤمن الذي يمارس الشعائر و يحتفل بالقداس باسم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية (القس، الراهب، الأسقف…). و من هذه الكلمة ستشتق كلمتان آخريان في القرن السادس عشر و هما« clergé » و« clerc »أي رجل الدين و الاكليرومسي . اما مصطلح اللائكية « laïcité » فلم يظهر في اللغة الفرنسية الا ابتداءا من 1870، حينما بدأت المواجهات الكبرى في فرنسا حول مسألة تحرير التعليم الرسمي من أي ضغط او تاثير ديني في مجتمع تعايش فيه الكاثوليك و البروستانت و اليهود و المفكرين الأحرار و الملاحدة منذ قرون خلت، و بعد شتى انواع الاضطرابات .

و عقب سقوط الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس ،استغلت المسيحية الفرصة بعدما كانت قد انتشرت و تنظمت و نصرت الأباطرة و الملوك، حتى تؤكد وحدتها و سلطتها امام انقسام الاصقاع القديمة تحت إمرة القانون الروماني و التي كانت تنوي إدماجها في سلطتها و إخضاعها لتوجيهها، و لكن و لأجل ذلك ، كانت كنيسة سان بيار هي نفسها التي تخرق قاعدة عدم الخلط بين الدنيوي و الروحي، و بلهفتها الكبيرة على السلطة و بتوليها ادارة الأملاك و الأجساد و النفوس المسيحية ، جعلت من نذر جهازها المسير للفقر و الطهارة أمرا عبثا.

و بطبيعة الحال، فقد كان الـ”كليريكوس” يتعسفون بسلطتهم المطلقة و يستعبدون الـ”لايكوس”،و أراد الباباوات أن يخضعوا الملوك لسيادتهم المطلقة، لكن الملوك لم يكونوا يقبلوا ذلك دون قيد أو شرط ،كما أن المواطنين لم يكونوا ليُطأطؤا رؤوسهم أبدا و يقبلوا فساد كبار رجال الدين أو جهل صغارهم.و من ثم تفجرت نزاعات شبه دائمة نتج عنها توالي هيمنة الكنيسة على الدولة و خضوع الكنيسة للدولة ،واستمر ذلك الى غاية القرون الوسطى و ظهور المنظرين الأوائل للفصل بين المجتمع الديني و المجتمع المدني (مارسيل دي بادو Marsile de Padoue و غيوم دوكهام Guillaume d?Ockham).

استفاد إصلاح لوثر (Luther) من براهين هذين الأخيرين ،ومن ما حاج به القول أطروحة انه إذا كان لابد من السلطة الروحية فإنها لابد أن ترجع الى جماعة المؤمنين و ليس الارستقراطية ايمانية نصبت نفسها بنفسها ،و أن ضمير كل فرد هو الوحيد الذي يتوسط بينه و بين الله .

(انظر مثل هذه التحاليل في الكتاب الرائع ل ج ب تروتباس اللائكية في قانون الكنيسة الكاثوليكية و الدولة الجمهورية La nation de laïcité dans le droit de l?Eglise catholique et de l?Etat républicain).

و يبدو ان مارسيل دي بادو قد لعب دورا أساسيا في العملية التي ارجعت الكنيسة رويدا رويدا الى وضعها الاصلي، فاللائكية بعبارة أخرى تحقيق فصل فعلي و نهائي بين الدين و السياسة ، و من هذا المنطلق يعتبر أب الدول اللائكية الحديثة، دون ان نتحدث عما قدمه من أعمال جليلة للمصلح الالماني مارثن لوثر (M. Luther) الذي كان زعيم الوطنية حتى يضعف قوة البابا. و يقول عنه برتراند دي جوفينال   (Bertrand de Jouvenel) في كتابه ” عن السلطة أتحدث ” :”لقد مثل المغامر مارسيل دي بادو (Marsile de Padoue) مرافعا لصالح الامبراطور الذي لم يتوج لويس دي بافيير (Louis de Bavière) ،و مدافعا عن السيادة الشعبية محل السيادة الالهية. هذه الفكرة هي التي كانت شعلة تحرير السلطة من سيطرة الكنيسة، و حتى يتمكن من ذلك ،جادل بالشعب كقوة مناهضة لله و بالله كقوة مناهضة للشعب أي مناورة مزدوجة و ضرورية لإقامة الحكم المطلق، كان لابد من ثورة دينية”.

و لكن الكنيسة ستصر طويلا على الشرود في متاهات المجد الدنيوي عكس ما كانت تمليه عليها رسالتها الأولى، و بذلك ارتكبت أخطاء فادحة تبرر الانقسامات التي لحقت بها و التي لا رأب لها ( و لم ينجح لا الفاتيكان الأول سنة 1870 الذي تدخل بعد ثلاثة قرون الفترة التي لم يجتمع فيها المجتمع الديني لفيينا، و لا الفاتيكان الثاني سنة 1963 في اقناع البروتستانت بعقيدة توحيد جميع الكنائس ?cuménisme). و من جراء هذه الأخطاء، ستكون أوربا و لمدة قرون طويلة لقمة سائغة للحروب الدينية التي سقطت فيها مئات الآلاف من الأرواح. و حدث ان كان ثلاثة بابوات في آن واحد (في القرن الرابع عشر) و حبر واحد،و قد وضع نابليون و هو الفريد في بني جنسه، البابا السابع Pie VII في السجن سنة 1809.

إن الخلاصة النهائية و البعيدة لكل هذا هو استحالة التعايش في ظل نظام ديني و قوانين دينية موحدة بين الكاثوليك و البروتيستانت و اليهود و الملاحدة .ان مسلمي فرنسا ليسوا أصحاب نفوذ بعد، و إلا لكنا اليوم في الجزائر من أشد أنصار المتحمسين لللائكية.

و من البداهة ان اللائكية تفرض نفسها كحل امثل و عادل في مثل تلك الأوضاع.بمعنى اي تعليم و اي عقيدة يجب ان يدرسا في مدارس البلدان المتعددة الديانات ؟ اي الاحتفالات الدينية يجب ان تكون رسمية ؟ اي دين يجب اعتباره “دين الدولة” دون اقصاء اجزاء اخرى من الامة ؟ اي قانون من قوانين الاحوال الشخصية يجب وضعه حيز التطبيق ؟ اي الاعراف يجب اعتمادها كقواعد للقانون؟

و من الاكيد أن التسوية لن تتم الا بالارتكاز على قوة حيادية فوقية اي اقناع كل الاطراف بقبول القواعد التي تتجاوز اختلافاتهم و نزعاتهم نحو التسلط.وهكذا يؤدي الأمر مباشرة إلى حرية العقائد ، الحياد الديني للسلطة الحاكمة ،الى الفصل بين الدولة و مختلف الكنائس الموجودة على أرضها …

و قد مرّ نبيّ الاسلام بحالة مماثلة ، حيث سمح بان يحتكم يهود المدينة الى قوانينهم الخاصة بدل احتكامهم الى الدين الجديد. و علاوة على ذلك، صاغ و وقع معهم في منزل أنس رضي الله عنه الدستور السياسي الأول في التاريخ (الصحيفة) ،و الذي يحدد في 53 مادة، الحقوق و الواجبات الخاصة بكل طرف. و يؤكد المؤرخ محمد حميد الله أن النسبة الكبيرة من تلك الأحكام، كانت تعالج مصالح اليهود خاصة.

أما في فرنسا، فقد انطلق النقاش حول اللائكية سنة 1568 باصدار هنري الرابع (Henri IV ) لمرسوم نانت (l?Edit de Nantes )(حيث تم لأول مرة قبول مبدأ إمكانية عدم توافق المعتقد و الجنسية و أن الملك يمكن ان يكون على دين غير دين رعاياه) و انتهى سنة 1946 بإدخال مصطلح اللائكية في القانون الأساسي الفرنسي لأول مرة.و تنص المادة الاولى من دستور 27 أكتوبر 1946 المؤسسين للجمهورية الرابعة “على أن فرنسا جمهورية لا تتجزأ لائكية ديمقراطية و اجتماعية “.

و ردد دستور 04 أكتوبر 1958 المؤسس للجمهورية الخامسة الصيغة نفسها في مادته الثانية ،و واصل : ” و تضمن المساواة أمام القانون لكل المواطنين بدون تمييز من حيث الأصل و العرق أو الدين، انها تحترم كل المعتقدات ” و لكن قبل ان تخلص الى ذلك كم معارك دامية عرفت ؟ (انظر كتاب آن ماري و جان مودوي Anne-Marie ” فرنسا تناهض فرنسا : الفصل بين الكنيسة و الدولة “). ان قانون 01 جويلية 1901 الخاص بحرية تشكيل الجمعيات قد استغل من أجل اعادة النظر في قانون الجمعيات الدينية الخاصة بالتعليم قبل قانون 09 ديسمبر 1905 الذي اعلن حرية التفكير و الاعتقاد و الذي اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية مدعاة للحرب.إن الميثاق الذي وقعه نابليون و البابا سنة 1801 و الذي نظم صلاحيات كل طرف في المسائل ” المختلطة ” أُلغي سنة 1905.

و بالنظر إلى ما سبق ذكره، نتساءل عن جدوى الحديث عن مشكلة اللائكية في بلد مسلم كالجزائر حيث لا توجد لا سلطة كهنوتية و لا ديانات متضاربة ؟ لماذا ترفع الحجج التي دفعت بالأوربيين (و قد كانوا على حق) إلى اللائكية في وجه الاسلام ؟ ما الذي يقلق في الاسلام و يمكن أن يبرر ظهور المطالبة باللائكية ؟

ان رؤية الاسلام للعالم من الناحية العلمية لا تشوبها شائبة حتى في نظريات الانفجار الأعظم Big bang و التحولية transformisme أو الداروينية المحدثة néo-darwinisme،ان الاسلام لا يرتاع من اكتشاف أشكال اخرى للحياة في الكون أو ان يحتل الانسان الفضاء. اما من الناحية الاقتصادية، فالاسلام مع حرية المبادرة و لا يعتبر ان الاغتناء عيب و فساد. اما سياسيا، فان القرآن و السنة لم يقترحا للبشر صيغا محددة في التنظيم الاجتماعي، بل بالعكس، فالسكوت عن ذلك هو ما كان سببا في النزاعات السياسية التي قسمت صفوف المسلمين الى سنة و شيعة و خوارج.

و حينما نتأمل في طرائق التدخل الالهي، نكتشف انها تحمل في داخلها اسمي معاني الديمقراطي لأنه عز و جل في أزليته وأبديته قبل بوجود معارض لعظيم سلطانه (ألم يرفض ابليس طاعته حينما أمره بالسجود لآدم كباقي الملائكة ؟) . و أكثر من ذلك ، حينما أعلن ابليس بعدما طرد من عرش الرحمان و جنته أنه سيكرس حياته ابد الدهر من أجل غواية و تضليل الجنس البشري و معارضة تدابير العناية الإلهية، فإن رب السموات و الأرض لم يقض عليه و لكنه فضل ان يهب الانسان العقل و البصيرة حتى يكون حرا تمام الحرية في اختيار بين الخير و الشر.و بالاضافة الى ذلك، فقد ضمن الله لآدم انه ستنزل على ذريته دوريا هداية منه و تذكيرا.إن هذا الحوار بين الله و ابليس حسب النص القرآني قد الهم غوته (Goethe) ” فاتحة السموات ” كما اوضحناه في مقال سابق.

و ليس هناك من شيء يمنع البلدان الاسلامية في الظرف الدولي الحالي من ان تكون انظمتها انظمة جمهورية تمارس الديمقراطية البرلمانية و حرية الاعتقاد بالنسبة لغير المسلمين ،أو من الانضمام الى الاتفاقيات الدولية حول السلم و حقوق الانسان و تخويل ” سلطة الحل و العقد” ليس للشارع بل الى مؤسسات شورية شريفة تتشكل من رجال اكفاء، سواءا في العلوم الشرعية أو في مختلف العلوم عموما.

على كل،المشكل المستعجل الآن هو معرفة ما هو الأنفع لأي بلد مسلم: ان يحاول ان يستخلص من الاسلام و من القيم الوضعية المعاصرة نموذجا اجتماعيا مقبولا أو يطرد الإسلام من دياره ؟

ان انصار اللائكية في الجزائر يؤكدون انه بسبب احترامهم الكبير للاسلام اكثر من غيرهم يتمنون ان يغلق عليه في بروج محصنة خوفا عليه ، ان الاسلام الحقيقي في نظرهم هو الذي يجب الا يعلم في المدارس و لا يذكر في الدستور و لا تسري روحه في القوانين و لا يرد في برامج العمل السياسي.ما اشد حبهم و هيامهم به حتى انهم لا يريدون رؤيته مبتذلا من جراء المغالاة و الإفراط في استعماله.

صدر المقال في :18 أوت 1993

…يتبع

” حمل قلمه منذ سبعينيات القرن الماضي، فكتب عن الجزائر الإسلام و العالم، مثَّل الثلاثةُ انشغالا حيويا لديه فاجتهد و لازال، يطرح الإشكاليات بمختلف أبعادها و يبحث عن الحلول الناجعة ، إنه السياسي والمفكر نور الدين بوكروح، و الذي يعرض من خلال هذه الصفحة كل يومي أحد و خميس أفكارا تسعى إلى تغيير تصوُّرنا للوجود، وتهدف إلى عقد مصالحة للمسلمين مع ذواتهم و مع الآخر، خاصة و نحن مقبلون على مرحلة ستشهد ثورات إقتصادية، فكرية و علميّة على الصعيد المحلي و العالمي .”

بقلم: نور الدين بوكروح

ترجمة : فضيل بومالة

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق