مساهمات

 على النخب الفكرية والسياسية والاجتماعية من مسئوليات

د. الطيب برغوث

رئيس أكاديمية السننية للدراسسات الحضارية

 

إن الخطوات الجادة التي خطاها المجتمع التركي في محاولة تحقيق مرحلة الإقلاع من مسار نهضته الحضارية الطويل، ليست خافية على أي متابع موضوعي منصف، سواء على مستوى خطوات بناء منظومة التداول الديمقراطي على السلطة، أو على مستوى خطوات التنمية الاقتصادية، أو على مستوى التنمية الاجتماعية، على مستوى التنمية الثقافية ورفع الوعي بثقافة النهضة، أو على مستوى التأسيس للدور والموقع الإقليمي والدولي..

لقد استطاع المجتمع التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية، ومعارضته السياسية، ومجتمعه المدني، ونخبته الفكرية عامة، رغم التباينات المختلفة فيما بينها، أن يستجمع الكثير من شروط نهضته، وأن يضع نفسه بذلك على طريق النهضة الصحيح، وأن يقدم نموذجا مقبولا لغيره من المجتمعات الأخرى في العالم الإسلامي خاصة والعالم الثالث عامة، التي تتلمس طريق نهضتها الحضارية المتوازنة، المؤسَّسة على أصالة فكرية وروحية وأخلاقية متينة، وعلى معاصرة أو حداثة راشدة، تجنِّبها مخاطر الاستلابية المرَضية سواء لماضيها الذاتي المشرق، أو لحاضر الآخرين المزدهر.

لهذا فإن الانقلاب الدموي الذي حدث في تركيا يوم 15 . 07 . 2016 يعتبر جريمة في حق هذه الجهود الجادة، التي تبذل من أجل إنجاز المرحلة الأساس في مسار النهضة الحضارية الطويل، وهي مرحلة الإقلاع الحضاري، التي سترتكز عليها بقية مراحل المسار التالية، وتتأثر بها إلى حد كبير، لأن ما حدث يضر بمسار هذه النهضة ويربكه ويشتت جهده، ويضاعف متاعبه، كما يبدو ذلك من المؤشرات الأولوية الخاصة بالأرقام المنشورة عن المعتقلين والمبعدين، والمتحفظ عليهم، والموتى.. وما يحمله ذلك كله من دلالات مستقبلية معقدة على الصعيد الاجتماعي والسياسي.

إن المجتمعات التي تخوض معتركات النهضة الحضارية الجادة، تحتاج إلى شحذ فعاليتها الاجتماعية التكاملية، وإلى التقليل من الجهد التنافري الإهتلاكي الوطني إلى حد كبير، والتركيز على الأولويات الوطنية الحقيقية، وتوجيه الأولويات الفردية لخدمتها، والعمل الدائب على توسيع المشترك الوطني وتعميق الوعي به والحرص عليه لدى كل أجيال المجتمع، وتعزيز منطق وروح الشراكة الوطنية الحقيقية، من خلال تحقيق المزيد من شروط التواصل والحوار المجتمعي، وتعميق ثقافة الاستماع والتسامح والرحمة والإحسان، وإعلاء منطق احترام القانون والاحتكام إليه، باعتباره من الأدوات المهمة لتجسيد العقد المجتمعي الوطني وحمايته، والابتعاد عن منطق الاستعلاء والحقْرة والاقصاء، وهدر الحقوق والحريات والمصالح الفردية والفئوية، فإن ذلك كله ظلم بيِّنٌ عواقبه وخيمة، فهو في الدنيا مؤذن بخراب العمران وذهاب الريح الحضارية، وفي الآخرة ظلمات مهلكة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: ( اتَّقوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ ).

فإذا عجزت قيادات المجتمع السياسية والفكرية والمدنية والاجتماعية عامة، عن تحقيق الشروط السابقة، فإن نهضة المجتمع ستكون متعذرة، وإن متاعبه ستزداد، وإن أوضاعه سترشحه إلى المزيد من الضعف الذاتي، والقابلية للاستضعاف والتبعية والغثائية الحضارية المذلة والمهينة للكرامة الإنسانية.

ومن أجل تأمين نهضة المجتمع التركي، والمحافظة على نجاح وتوهج النموذج الذي تقدمه في هذا المجال لغيرها من المجتمعات الأخرى، فيما يتصل بمعضلة الأصالة والمعاصرة، فإن ” مؤسسة السننية للدراسات الحضارية ” التي يشرف عليها المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث، تحيي المجتمع التركي في هبته الرائعة ضد منطق الانقلابات المشئومة، وتدعو نخبه السياسية والفكرية والمدنية والعسكرية والاجتماعية عامة، إلى وعي وتعميق الثقافة التي كانت وراء هذه الهبة أو هذا النفير الاجتماعي الرائع، الذي أسقط ثقافة الانقلاب والغلبة، وكشف عن الخطورة الإستراتيجية البالغة التي تكمن فيها، وحمى التجربة الديمقراطية الوليدة من عملية إجهاض خطيرة العواقب.

ولأن التجربة التركية في الديمقراطية والتنمية والنهضة، مهمة للمجتمع التركي ولغيره من المجتمعات التي تعيش عسرا وإخفاقا في العبور نحو الديمقراطية الحقيقية، المتصالحة مع الهوية الذاتية للمجتمع، ومع رشد الخبرة البشرية المعاصرة، فإن الحرص على نجاح هذه التجربة أمر يهمنا جميعا، ويدعونا إلى تفعيل منطق المناصحة، والتأكيد على ما يلي:

  1. العمل الجدي على نشر الوعي بكون الأولوية المركزية الأم لأي مجتمع، هي أولوية تحقيق نهضته الحضارية، وما عداها من الأولويات فهي أولويات تابعة لها، وخادمة لأولوياتها. وأي قصور في الوعي بهذه الأولوية المركزية الأم، فإنه ينعكس سلبا وبعمق على وضع المجتمع ومكانته وقيمته في محيطه الإقليمي والعالمي.
  2. إن تعميق الوعي بهذه الأولوية، يوسع أفق التفكير والاهتمام لدى أفراد المجتمع، ويرفع سقف الطموح لديهم، ويضع الأولويات الجزئية والصغيرة في مكانها الصحيح من اهتماماتهم، ويمتص الكثير من الجهد التنافري، ويوجهه نحو الأولويات المجتمعية الحقيقية، وينقذه من الهدر والتبديد.
  3. العمل الجدي على نشر ثقافة النهضة لدى كل أجيال المجتمع، فهي الضمان الحقيقي للمجتمع من أية هزات تربك مسيرة نهضته الحضارية، وترجع به القهقرى نحو الاستبداد والظلم، واللامبالاة الاجتماعية، والهدر لمقدرات المجتمع وفرص نجاح نهضته الحضارية.
  4. فالنهضة الحضارية التي هي قدَر كل مجتمع يريد لنفسه الكرامة والعزة والإشعاع الحضاري، لا تقوم ولا تستمر إلا بثقافة سننية شاملة ومتكاملة، تحملها وتتمثَّلها كل أجيال المجتمع وفئاته، وتدير بها حياتها الخاصة والعامة، وعلاقاتها بغيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى.
  5. وثقافة النهضة الحضارية، هي الثقافة السننية الشاملة المتكاملة المتوازنة، التي تغطي كل احتياجات الحياة البشرية، المعرفية والنفسية والروحية والسلوكية والاجتماعية والحضارية العامة، وتجعل الإنسان يعيش في توافق مع ذاته، وانسجام مع محيطه الاجتماعي، وتكامل مع محيطه الكوني.
  6. فالثقافة السننية هي ثقافة علمية مطابقة لواقع الفطرة الكونية، أو ثقافة تحاول باستمرار الاقتراب من الواقع الفطري الكوني كما خلقه الله تعالى لتجري عليه الحياة الكونية .
  7. وثقافة النهضة عندما ترسخ في المجتمع، تعزز الوعي المضاد للاستكبار والاستبداد والإقصاء والحقرة والأنانية والعصبية والغش والفساد، وكل أشكال الظلم الذاتي والاجتماعي، لأن الإنسان حينها سيدرك تماما بأن أي شكل من أشكال الظلم للنفس أو المجتمع، يلحق الضرر البالغ بصاحبه وبمجتمعه معا، عاجلا وآجلا، فيحرص من ثم أشد الحرص على العدل مع النفس والمجتمع معا، بل وتجاوز مرحلة العدل إلى مرحلة الإحسان، وهي مرحلة من الوعي أعلى بكثير من مرحلة العدل.
  8. فمرحلة الإحسان بجمالياتها الفكرية والنفسية والسلوكية والإنجازية، هي أعلى مراحل النضج والاستواء والفعالية في حياة الأفراد والمجتمعات، لأنها تدفع بالوعي واالسلوك والأداء والعلاقات إلى أعلى مستويات فعاليتها وكفاءتها الروحية والأخلاقية والإنجازية، لذلك ينبغي أن يشكل الإحسان في الأداء استراتيجية محورية في مناهج التربية والتكوين والعمل معا، علىى كل المستويات الفردية والاجتماعية، كما ندبنا القرآن إلى ذلك في هذا القانون الأساسي من قوانين الحياة الكبرى: ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )[فصلت: 34  35 ].
  9. إن إستراتيجية الإحسان، المبنية على الفهم والتفهُّم، والوعي المآلي، وروح المسامحة، والاستيعاب، وتقليص التوترات، والحزم الناعم في كل ما له صلة بالمصالح العليا للمجتمع، وعدم التهاون في المساس بها، ومراقبة الله تعالى وتحري مرضاته.. ينبغي أن تكون السمة الأساس لمنهج إدارة الحياة الفردية والجماعية، وخاصة لدى النخب الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي يجب عليها أن تعطي القدوة من نفسها للآخرين.
  10. وفي هذا السياق نهيب بالنخبة السياسية والفكرية والاجتماعية في المجتمع التركي، وخاصة منها السلطة الحالية، في هذه الظروف الصعبة جدا، أن تنتبه إلى خطورة إضعاف المعارضة الفكرية والسياسية والمدنية، لأن ضعفها ضعف للسلطة القائمة وللمجتمع معا، وفي ذلك خطر كبير على المجتمع. والمحنة الحالية التي يمر بها المجتمع التركي أعطت لنا درسا بليغا في أهمية وجود معارضة قوية وواعية، فقد وقف الجميع في وجه الخطر وتغلبوا عليه، ولولا ذلك لاتخذ الموقف منعطفات أخرى قد تكون أشد خطورة على الجميع وعلى المجتمع في نهاية المطاف.
  11. كما نهيب بالمعارضة السياسية والفكرية عامة، أن تستمر في انتهاج إستراتيجية المناصحة الجادة في هذه المرحلة الحرجة والحساسة التي يمر بها المجتمع والدولة، وأن تحذر من الحسابات والمزايدات الحزبية أو الفئوية الضيقة، وترتقي بوعيها وأدائها إلى مستوى خطورة التحدي الذي يواجهه المجتمع والدولة، ومن ثم بقية مكوناتهما الفرعية الأخرى. فتحقيق العبور الديمقراطي الحقيقي السلس، وحماية مسار النهضة الحضارية للمجتمع، وترقية الحقوق والحريات والمحافظة عليها.. قضايا وطنية كلية لا ينبغي الاختلاف حولها، أو الإضرار بها من أي طرف كان في المجتمع.
  12. كما نهيب بها، أن تنتبه إلى خطورة إضعاف حرية الفكر والرأي والنشر والصحافة والإعلام عامة، لما في ذلك من خطورة على التأسيس والعبور الديمقراطي، والترسيخ لثقافة النهضة وشروطها في المجتمع. فحماية الحريات والحقوق وترقيتها وترشيدها وحسن استثمارها، من أهم شروط تحقيق الانسجام الاجتماعي، وتعزيز الفعالية الانجازية للمجتمع.
  13. كما نهيب بها أن تنفتح على الرأي الآخر، وتمنحه ما يستحقه من التأمل والتبصر والاعتبار. والخبرة السننية المستفيضة تعلمنا كيف أن الإنسان كثيرا ما يستفيد من خصومه أكثر مما يستفيد من مواليه ونصرائه، وخاصة إذا كان هؤلاء الموالين أو بعض النافذين منهم من الطفيليين والوصوليين والإمعيين والغثائيين .
  14. كما نهيب بها أن تحذر كثيرا من خطورة منطق الغلبة المؤقتة، الذي كثيرا ما يتحول إلى سكرة تولَد معها شروط وأسباب وعوامل الضعف والهزيمة، وإلحاق الضرر بنهضة المجتمع في نهاية المطاف.
  15. إن الخبرة السننية المتصلة بإدارة الأزمات خاصة والمجتمعات عامة، تعلمنا بأن توسيع نطاق الضرر أو دائرة المتضررين من الأزمة الاجتماعية، يشكل خطرا كبيرا على السلطة المديرة للمجتمع، وعلى المصالح العليا للمجتمع نفسه، لأن الإحساس بالظلم يؤسس للظلم المضاد الذي سيظل متربصا ومتحفزا للانتقام بدوره، بحق أو بخير حق، وهكذا دواليك يعيش المجتمع دوامة الاهتلاك الذاتي المنهك، ويستنزف جزءا عزيزا من ميزانيته التسخيرية في الانتفاض والانتفاض المضاد إلى ما لا نهاية، وهو ما يعيق بل ويعطل تحقيق النهضة الحضارية للمجتمع، التي يجب أن لا يشغل الناسَ عنها أي شيئ من الأولويات الجزئية أو الذاتية الأخرى.

لهذا كله فإن ” مؤسسة السننية للدراسات الحضارية ” تهيب بكل النخب الفكرية والسياسية والاجتماعية في المجتمع التركي خاصة، وفي كل المجتمعات الإسلامية عامة، أن تعمل على تأسيس الوعي بأولوية النهضة الحضارية لدى كل أجيال المجتمع، وأن تمنح مشروع بناء الثقافة السننية المؤسِّسة للنهضة الصحيحة، ما يستحقه من عناية، من أجل بناء وعي جديد يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الجهد الإنجازي للأفراد والمؤسسات والمجتمعات، ما يتطلبه من تكاملية وفعالية وكفاءة وروحية وأخلاقية ومقاصدية متوازنة.

إن الجهد الفكري أو السياسي أو الدعوي أو الاجتماعي.. الذي يتم تحت عناوين الإسلام أو الإسلامية، أو يستلهما في شعاراته ومضامينه ومناهج عمله، إذا فقد أصالته وفعاليته وكفاءته وتكامليته وروحيته وأخلاقيته، فإنه يسيء إلى الإسلام كثيرا، ويجني على بقية جهود البناء الأخرى، ويعرقل مسيرتها، ويكون فتنة لغير المسلمين، يبعدهم عن الإسلام بل ويؤلبهم ضده. وقد حذر القرآن المسلمين أفرادا ومؤسسات ومجتمعات من ذلك في قوله تعالى: ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )[الممتحنة : 5].

لذلك على كل واحد منا أن يستشعر خطورة ذلك، ويحرص كثيرا على مطابقة جهده مع جمالية الإسلام وروحيته وأخلاقيته الإنسانية العالية. فهو جاء رحمة للكائنات الكونية، كما قال تعالى في تحديد رسالة الإسلام والمسلم في العالم: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )[الأنبياء : 107].

والله ولي التوفيق، وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل.

مقالات ذات صلة

إغلاق