مساهمات

دعاة المرحلة الإنتقالية هل يدفعون إلى المأزق ؟ إم إلى تطبيق أحكام المادة 107 أو 105 من الدستور

ونحن على بُعْدِ أسبوع من غلق باب الترشيحات وتقرير مصير انتخابات 04 جويلية ، ماذا بقي أمامنا من الممكنات ؟
لقد كتبت فيما مضى أن السلطة السياسية في البلد مارست أداءها أبدا خارج القانون والدستور لأن الأنظمة المستبدة لا تحسن اللعب داخل إطار القانون وتفضل اللعب خارجه ولذلك فإن حشرها في إطارهما يقلل من فرص نجاحها من جهة ومن جهة أخرى فإن التغيير الحقيقي الذي ننشده هو بناء دولة القانون التي قوامها الحق والعدل وثقافتها الانضباط والالتزام ومن ثم فإن القطيعة الحقيقية مع النظام التي ننشدها تبدأ أولا بالقطيعة مع ممارساته وأخطر ممارساته هي التحرك خارج الشرعية ، لقد كان مطلب آل بوتفليقة هو المرحلة الانتقالية خارج الدستور وكذلك مطلب الدولة العميقة التي تعودته سلفا، ومطلب خُدَّامِها الذين صنعتهم ، ومطلب بعض المعارضة عن حسن نية طبعا ورغبة في المثالية التي لا نضمن سلامتها فضلا عن الوصول إليها ، فإذا سلكنا نفس سلوكها فإن الحتمي هو أن نصل إلى نفس نتائجها ، ولذلك دَعَوْتُ إلى بحث حلول الأزمة في إطار الدستور وقَوَّى دعوتي هذه ” أن دعاة المرحلة الإنتقالية خارج إطار الدستور لم ـ ولن ـ يتفقوا على كيفيتها في أهدافها وهيئاتها وأشخاصها ، وباركت ودافعت عن موقف الجيش حين تبنى هذا الخيار من منطلق تحليل سياسي وقناعة مستقلة مرتبطة بمفهوم النضال السياسي الفاعل والهادف بعيدا عن ترف الفكر وشطط الأحلام.
إن إصرار قيادة الجيش على الحل في إطار الدستور يعززه المنطق والواقع وقد قامت بمحاولة جس نبض في خطاب البليدة بإعلانها إمكانية الانفتاح على المبادرات الأخرى لتتأكد أن هذا الإنفتاح غير منتج ، أمام إصرار دعاة المرحلة الانتقالية وتجندهم في تعطيل مسعى قيادة الجيش وتكريس العقبات أمام الفعل الانتخابي ليقنعوا الشعب بأنه غير ممكن مستغلين في ذلك مساحة الحرية المتاحة في الاعلام ومجندين لطلبة الجامعات بطريقة لا تختلف عن ممارسات السلطة التقليدية ، لتعود قيادة الجيش مرة أخرى إلى الإلحاح في تبني الحل في إطار الدستور بشكل لا يوحي بأنها ستتنازل عنه فماهي السيناريوهات الممكنة في هذا الإطار :

الأول : أن يُستكمل مسار انتخابات 04 جويلية رغم المعوقات ـ حقيقية كانت أو مفتعلة ـ يعزز هذا الخيار التكتم الظاهر على أسماء المترشحين والوقوف عند ذكر عددهم فقط ، وهو خيار قد يحدث مفاجآت وقد يتضمن أسماء تقلب المعادلة وتأثر في مجرى الأحداث بقوة ويكون حينها دعاة المقاطعة قد فوتوا الفرصة على الشعب في تعزيز خياره الإنتخابي وتفعيل رغبته في التغيير الحقيقي وانتخاب مرشحه الخاص ، حتى وإن كانت النتائج على هواه ، فهو قد انتخب من رُشِّح له لا من رشحه بنفسه ، لا أستبعد هنا أن يكون لمرشح جبهة المستقبل السيد عبد العزيز بلعيد فرصة لا تعوض وقد يكون خياراً.
الثاني : أن لا تجري الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد وهنا يتصور دعاة المرحلة الانتقالية أنهم أفلحوا في الدفع نحو الفراغ الدستوري وفتح الباب أمام تصورات أخرى في التعامل مع الأزمة ، غير أن الصمت الملفت لقيادة الجيش وعدم ارتباكها ومُضِيِّهَا في ما سمته تفكيك الألغام يوحي بأنها لم تستنفذ كل وسائلها في نصرة خيارها المتمثل في البقاء في إطار الحل الدستوري ، حينئذ يصبح همها كيفية تغطية الفراغ الدستوري والتمديد للمؤسسات الدستورية في إطار دستوري من أجل ترتيب الأوضاع من جديد للعودة إلى الانتخابات الرئاسية عاجلا وذلك ممكن جدا :

بالعودة إلى المادة 104 من الدستور المتعلقة بترتيب صلاحيات رئيس الدولة مقارنة بصلاحيات رئيس الجمهورية والاستثناءات التي يمليها الدستور تنص الفقرة الرابعة منها :
” لا يمكن خلال هاتين الفترتين ( يقصد الـ 45 يوم 90 يوم الواردتين في المادة 102 ) تطبيق أحكام المواد 105 (حالة الطوارئ) و107 (الحالة الإستثنائية) و 108 و 109 و 111 إلا بموافقة البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا ، بعد استشارة المجلس الدستوري والمجلس الأعلى للأمن. انتهى
فالاستثناء الوارد في هذه الفقرة لا يختلف عن آلية تطبيق المادة 102 الذي تم اللجوء إليه.

1 ـ نص المادة : 105 ” يقرر رئيس الجمهورية إذا دعت الضرورة الملحة ، حالة الطوارئ أو الحصار لمدة معينة بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني والوزير الأول ورئيس المجلس الدستوري ويتخذ كل التدابير اللزمة لاستتباب الوضع.
ولا يمكن تمديد حالة الطوارئ أو الحصار، إلا بعد موافقة البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معاً” انتهى.
ـ أن ” الضرورة الملحة ” الواردة في نص المادة مطلقة يمكن تقييدها بأي وضع ولا غبار على ذلك.
ـ ” التدابير اللازمة لاستتباب الوضع ” عبارات تفتح على أي اجراء …
2 ـ تنص المادة 107 من الدستور : ” يقرر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها .
ولا يتخذ هذا الإجراء إلا بعد استشارة رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس المجلس الدستوري والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء.
تُخَوِّل الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الاستثنائية التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمة والمؤسسات الدستورية في الجمهورية.
ويجتمع البرلمان وجوبا.
تنتهي الحالة الاستثنائية حسب الأشكال والإجراءات السالفة الذكر التي أوجبت إعلانها. انتهى
ـ لاحظ أن المدة هنا غير محددة بخلاف حالة الطوارئ.
ـ لاحظ أن مصطلح تهديد المؤسسات الدستورية في المادة 107 يمكن اسقاطه على الوضع الحالي بسهولة خاصة إذا تهور البعض وسلك أي سلوك يعطل فعليا سير الانتخاب يوم 04 جويلية أشير هنا عن الذين يتحدثون عن المسيرات وما يشبهها في يوم الاقتراع ، ولا يخفى حديث قيادة الجيش في خطاباتها عن ضرورة عدم تعطيل عمل المؤسسات الدستورية.
ـ لاحظ أيضاً المحاكمات الجارية في المحكمة العسكرية والمرتبطة بأمن الجيش وتهديد النظام يمكن اسقاطها تماما على موضوع الاستقلال والسلامة …
ـ لاحظ أيضاً نشاط “الماك” انطلاقا من رفع الرايات غير الراية الوطنية مروراً بمحاضرة فرحات مهني …الخ ألا يمكن ربطه مباشرة بسلامة التراب الوطني

يبدو لي أن المادة 107 تعالج هذه الوضعية بكل وضوح ويمكن اللجوء إليها في وضع دستوري لا غبار عليه.

وعلية فإن المراهنين على إستحداث الفراغ الدستوري بعد 04 جويلية سيخسرون الرهان وستذهب قيادة الجيش بمؤازرة مؤسسات الدولة القائمة إلى وضع دستوري يضمن استمرار المؤسسات بما فيها الرئاسة وستكون للجيش اليد الطولى في الفعل السياسي مؤيدا بالشرعية الدستورية التي تحميه من كل مسائلة محلية أو إقليمية أو دولية .. والذين يدفعون إلى الفراغ الدستوري والمرحلة الانتقالية لإضعاف تأثير قوة الجيش سيُكسِبون قيادة الجيش القوة الضاربة والمؤيدة بالشرعية الدستورية من حيث أرادوا إضعافه فلا يفرحوا كثيرا…
ومن غرائب السياسة عندنا أن الدور الذي لعبته قيادة الجيش في مرحلة الانقلاب على الشرعية (1992 ـ 1995) والعبث بالوطن الذي أفرز ما نحن فيه الآن ، شاءت الأقدار أن تلعب قيادة الجيش اليوم نقيض هذا الدور في الحفاظ على الشرعية الدستورية مهما اختلفنا على مصدافيتها ..
فهل تصحح السياسة نفسها ؟
الأستاذ / محمد بوخطة

مقالات ذات صلة

إغلاق