مساهمات

لماذا فشلت التنمية عند العرب ونجحت عند العجم؟



مقاربة التموقع الجديد في العالم

الدكتور فاروق طيفور

مؤسس مركز المنظور الحضاري للدراسات الأفروآسيوية

هذه المقاربة تقدم إطارا فكريا يراكم المنظور العربي والإسلامي للتنمية من خلال مقاربة تقييم المشروع الحضاري النهضوي العربي الذي يقدم أولوية مواجهة المشروع الصهيوني والاستعمار ومقاربة الحركات الإسلامية التي تعتمد على أولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحسين شروط الحياة السياسية، ويستفيد من إنجازات التنمية في دول النمور الآسيوية التي تقدم إطارا جديدا للتنمية، وعلى الخصوص التجربة الماليزية والأندونيسية، من خلال تجديد فكرة الأفرو –آسيوية للمفكر الجزائري مالك بن نبي، وتختتم المقاربة باقتراح مقاربة تنموية جديدة.

مقدمة:

يمر عالمنا العربي اليوم بمرحلة من أخطر المراحل في تاريخه، ويواجه مشاكل وصعوبات معقدة تطال تأثيراتها حياة أبنائه، وهي لحظة تاريخية دقيقة، يتعرّض فيها العالم العربي إلى العديد من المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد أمنه بكافة أشكاله، وهي في تزايد مستمر، وذلك بسبب الموقع الجغرافي الفريد للوطن العربي الذي يربط القارات الثلاث: أسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وتأثيره الحضاري والسياسي في شعوب هذه القارات، وكذلك الثروات التي يحويها، وهو ما جعل العالم العربي الكتلة الإستراتيجية الحيوية، ذات الثقل في السياستين: العالمية، والإقليمية، وهو العمق الطبيعي لمسرح العمليات في أوروبا، وهو قلب الأرض الذي يقع في مكان متوسط بالنسبة لأي مواجهة عالمية محتملة، وهو المتحكّم في طرق نقل الطاقة، سواء إلى الشرق الأقصى، أو إلى أوروبا والولايات المتحدة.

       ورغم وجود هذه المميزات والخصائص التي يتمتع بها عالمنا العربي، إلا أنه ما يزال يراوح مكانه في تحقيق التنمية وتنتشر فيه كل الآفات، سواء تلك المتعلقة بالحكم والدولة (أزمة الديمقراطية والتنمية) أو التي ترتبط بالمجتمع (أزمة الثقة والعدالة والمساواة)، وبذلك تجسد الإخفاق المركب، والذي أصبح مزمنا وأدى إلى تعقد الحالة التنموية العربية، يشهد على ذلك التفكيك الحاصل اليوم، سيما بعد أحداث الربيع العربي الذي كشف حقيقة الأوضاع التنموية وأغرى القوى الكبرى للاستثمار فيها والبحث عن موقع قدم للاستفادة من خيراتها ومجالها الحيوي، رغم أن البلاد العربية ولاسيما بعد خروجها من مرحلة الاستعمار والتقسيم في القرنين الماضيين، بفضل نخبها وقواها الحية التي أدركت أن معادلة الصراع تبدأ من فهم المعادلة المحلية وتعبئة جميع قوى المجتمع لمواجهة المخططات التفكيكية للعالم العربي بميلاد الثورات الشعبية المتلاحمة مع النخبة في إطار كتلتها التاريخية فنجحت في الحصول على الاستقلال، ولكنها ما تزال إلى اليوم تعاني التخلف وفقدان السيادة وإمكانية التقسيم من جديد في مقابل دول كانت معها فيما سمي بدول عدم الانحياز ثم العالم الثالث ثم الدول السائرة في طريق النمو لكنها انعتقت وحققت نسب عالية من النمو والتنمية.

          ولتفسير هذا الإخفاق والفشل في بناء الدولة وتحقيق التنمية، ظهرت مدرستان في تحليل أسباب الإخفاق: مدرسة ترجعه إلى أسباب تقنية بحتة، منها زيادة السكان المرتفعة والسريعة التي ابتلعت مجهودات التنمية، ومدرسة انبثقت من داخل العالم الثالث نفسه، رأت أن أسباب الإخفاق ترجع إلى طبيعة النظام الاقتصادي العالمي، والذي تهيمن عليه قوى الدول المتقدمة، وإن تحقيق النمو الاقتصادي المستقل مرهون بكسر علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تقيد المستقبل.

أما على المستوى العربي، فقد تدافعت مقاربتان: المقاربة العربية ومن منظور المشروع الحضاري النهضوي العربي الذي يعتمد أولوية التصدي للمشروع الصهيوني والاستعماري من ناحية، ورفض واقع التجزئة القطرية من ناحية أخرى، أما المقاربة الثانية وهي التي تعتمدها الحركات الإسلامية، والتي تعتمد أولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، وتحسين شروط الحياة السياسية الداخلية. ونظرا لهذا الفشل المركب لكلا المقاربتين في تحقيق التنمية والنهوض، برزت مدرسة جديدة في الفكر والسياسة العربية تتجه شرقا، وتدعو إلى الاستفادة من تجربة “النمور الآسيوية” في تحقيق دولة النمو الاقتصادي بدلا من إضاعة الوقت في الصدامات السياسية والخلافات الأيديولوجية ومسألة تحديد الهوية وتأطيرها، بالضبط كما دعا إلى ذلك المفكر الجزائري، مالك بن نبي (الأفرو- آسيوية).

مقالات ذات صلة

إغلاق