مساهمات

مصطفى الأشرف لم يكن ضد العربية بالطريقة الساذجة

الدكتور علي بن محمد

قرأت لك أن عبد القادر مهري تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس بومدين يطلب منه البقاء إلى جانب مصطفى لشرف في الوزارة ؟

هذا حديث السيد عبد الحميد مهري، وكتبته في كتاب جبهة التحرير بعد بومدين، أن بومدين قال له هاتفيا “ابق معه إلا أن تصبح لا تستطيع البقاء”، لأن بومدين كان يقدر أن عبد الحميد مهري لن يستطيع أن يبقى مع مصطفى لأشرف في الوزارة.

وتوجد أيضا نبرة أن بومدين غير راض عن هذا التعديل؟

والدليل أن بومدين هو من وقع مراسيم إنهاء مهام إطارات وزارة التربية، التي صدرت في عددين من الجريدة الرسمية.

كل مراسيم الفصل كانت موقعة من الرئيس بومدين؟

نعم، موقعين من الرئيس بومدين كلهم ،ومذكور فيها أن المفصولين مدعوون لمهام أخرى، والحقيقة أنه لم يتم استدعاء أي منهم لمهمة أخرى.

كم هو عدد الإطارات الذين شملتهم مراسيم الفصل هذه؟

عددهم هو 26، أي كل من ساهم في بناء المدرسة طوال هذه السنوات، ومنهم مدير التعليم، ومدير التخطيط، ومدير الموظفين، ومستشار رئيس الديوان، والمستشار التربوي المعروف الشيخ بن بليدية، فكل هؤلاء أنهيت مهامهم وبومدين من وقع هذا، وكل ما علمناه أن الأستاذ مصطفى لأشرف، رحمه الله، عندما قدم هذا في مجلس الوزرا،ء وقدم مشروعه الذي سنتحدث عنه، قال له الرئيس بومدين، “ستذهب إلى المجلس الوطني لتدافع عن مشروعك هذا “، فرد مصطفى لأشرف “أنا لا أذهب إلى المجلس الوطني”، وهذا بشهادة من كانوا حاضرين في الاجتماع.

هل تقصد دكتور أن مصطفى لأشرف لم تكن لديه الشجاعة التي يواجه بها هذه التغيرات؟

لا، لأن الجو كان معبئا ضد هذه التصفيات، حتى أننا سمعنا أن بومدين قال له أنا في 19 جوان يوم التصحيح الثوري ولم أنهي المهام بهذا القدر، وفعلا هناك من الوزراء من كان مع الرئيس بن بلة وبقوا مع الرئيس بومدين.

يعني أنت تؤكد اليوم يا دكتور أن المستهدف من الردة هو اللغة العربية؟

تماما…. طبعا نحن لا نريد أن نقول أن مصطفى لأشرف لا يحمل غيرة على اللغة العربية.

بالمناسبة دكتور، حدثنا عن مصطفى لأشرف ؟

مصطفى لأشرف أولا كان أحد المرافقين للوفد الجزائري المختطف في حادثة اختطاف الطائرة، وهو أحد أهم المفكرين والكتاب المفر نسين بالجزائر، حيث كان يملك قدرة رائدة على الصياغة باللغة الفرنسية، وكانت كتاباته مطلوبة ومحبوبة على ما في أسلوبه من تعبير، وكانت كتاباته تنشر في مجلات باريسية مشهورة.

الذي أردت أن أفهمه من سؤالي عن مصطفى لأشرف هو هل كان المحرك في العملية، أم أنه كان مستعملا فيها؟

أتي بمصطفى لأشرف في تلك المرحلة بالذات لأن أفكاره معروفة بأنه لم يكن ضد العربية بالطريقة الساذجة، فنظرته تختلف عن نظرتنا بطريقة إستراتيجية، فكان يقول “اللغة العربية لغتنا وسنفتح لها المجال بعد أن نخدمها ونطورها ليصبح لها أسلوبا، وفي الانتظار يكفي أن تتم الفرنسة الكافية للجزائر”، بينما كان رأينا بأن كل اللغات بحاجة لأن تطور، ولكن إذا لم يلق باللغة في الميدان كيف يمكنها أن تتطور، فالعرب عندما بدءوا بترجمة العلوم هل قالوا لن نترجم حتى تصبح العربية قادرة على نقل فلسفة سقراط و أرسط ؟ لا، بل خاضت المعركة ونجحت، وبالتالي كان رأينا هو إدراج اللغة العربية في المعمعة ونطورها، وهذا هو الخلاف. نحن لا نقول أن مصطفى لأشرف عدو للغة العربية، إنما كانت نظرته بالنسبة لنا غير صحيحة وتسمح للفرنسة بأن تتم لتعزل اللغة العربية.

من التغييرات الجوهرية التي جاء بها مصطفى لأشرف وهو على رأس وزارة التربية، هي أنه شرع في كتابة مقالات يروج فيها لسياسته التربوية الجديدة، كما أقدم على حل التعليم الأصلي الذي يعود الفضل فيه إلى المرحوم مولود قاسم نايت قاسم وكان يقوم في جزء كبير منه على الجانب الديني، فما هي خلفيات هذا القرار في رأيك دكتور؟

أولا نشأ التعليم الأصلي عندما أقنع مولود قاسم، رحمه الله، الرئيس بومدين بإنشاء وزارة للتعليم الأصلي والشؤون الدينية، وكان هذا النوع من الوزارة قائما في المغرب، ويقصد به التعليم الموجود في الكتاتيب والزوايا والمساجد. اعتماد هذه الوزارة في الجزائر أوقع التغيير الوزاري سنة 1970 حينما عين مولود قاسم وزيرا للتعليم الأصلي والشؤون الدينية، وعين بن محمود وزيرا للتربية، وكان لمولود قاسم فكرة تكوين جامعة إسلامية، والملاحظ أن أغلبية إطارات وزارة الشؤون الدينية في ذلك الوقت كانوا من حفظة القرآن الكريم، ما يمكنهم من إقامة الصلوات الخمس، وكان لبعضهم العلم القليل الذي يمكنه من إلقاء خطب الجمعة وبعض الدروس لكنهم كانوا يفتقدون للتكوين الديني العميق، فكان لمولود قاسم طموح لأن يكون لديه شيء أكبر من هذا، وكان 40 بالمائة من التلاميذ الذين ينجحون في المدرسة الابتدائية ويلتحقون بالمتوسط الـ 60 بالمائة يرسبون ليعيدوا السنة السادسة وإما يذهبون للسنة السابعة لاستكمال السن الإجبارية للتعليم 14 سنة ثم يطردون، فمولود قاسم فكر باحتواء هؤلاء التلاميذ الذين لهم مستوى السنة السابعة بفتح المعاهد لتكوينهم ليتخذ أئمة وخطباء وإطارات، وهذا ما رضي به بومدين واتفق عليه الجميع، لأن مصير هؤلاء كان ما اقترحه مولود قاسم أو الشارع، ولكن شيئا فشيئا أصبحت المعاهد مؤسسات ومعاهد التعليم الأصلي المبنية حديثا ظاهرة، وللملاحظة كانوا يطبقون برنامج وزارة التربية حرفيا إضافة إلى المواد الدينية، وكانوا يتقدمون لامتحان بكالوريا التعليم الأصلي وهذا ما أقلق الناس جميعا وبعض الحركات الإسلامية في أولى تحركاتها، وصادف أن كان منهم تلاميذ لهذه المعاهد، وكان يشرف على هذه المدارس الكثير من المعلمين والأساتذة المصريين، وهذا ما خلق هلعا في نفوس بعض من الناس.

يعني أن المحيطين بالرئيس بومدين تخوفوا من أن يكون التعليم الأصلي مدخلا للتيارات الإسلامية المتجذرة والمتطرفة؟

نعم، وشنت حملة ولما جاء مشروع الميثاق الوطني طرحت هذه القضية أمام بومدين، والمعروف أن الأخ مصطفى لأشرف هو من كتب كل الجانب الخاص بالتربية والتعليم الأصلي في الميثاق، فبومدين قال “نستطيع إلغاء التعليم الأصلي تدريجيا مع إدماجه في التعليم العام، وبذلك نستوعب التلاميذ ، ونستوعب برنامجا دينيا قويا لشعب تتخصص فيه”.

مقالات ذات صلة

إغلاق