مساهمات

هكذا تمت محاصرة مــــد التعريــــــب

الدكتور علي بن محمد

تشرع جريدة “الحوار” في تفريغ ونشر عدد من الحوارات التي أجراها الأستاذ محمد يعقوبي في برنامجه التلفزيوني “الحلقة المفقودة” على قناة “الشروق” ثم قناة “الخبر”، بعد الطلب المتزايد على الاستفادة من خزان المعلومات التي تضمنتها مختلف الحلقات مع عديد الشخصيات. وفِي الجزء الأول ننشر الحلقات المتعلقة بوزير التربية الأسبق الدكتور علي بن محمد تعميما للفائدة وتنويرا للرأي العام.
نستضيف في العدد الثالث على التوالي الدكتور علي بن محمد لنتحدث معه عن شواهد عاشها بنفسه ويرويها كشاهد من أهلها كنا قد تحدثنا في الحلقات الماضية عن سنوات السبعينات وما شهدته من تفاعلات على مستوى جبهة التحرير الوطني وعلى مستوى قطاع التربية

^ دكتور.. أولا أرحب بك في هذا العدد الثالث …
توقفنا في العدد السابق عند الإصلاحات التربوية التي باشرتم بها عند التحامكم أنتم فريق وزارة التربية والذي اجتمع فيه الأستاذ عبد الحميد مهري والوزير عبد الكريم بن محمود والدكتور علي بن محمد وكنتم باشرتم جملة من الإصلاحات الهامة التي وقع عليها الرئيس بومدين في شكل أمرية سميت بأمرية 76، لكن من بين التفاعلات التي جاءت فيما بعد هو وقوع انقلاب من خلال الإقالة السريعة والغريبة التي حدثت للوزير عبد الكريم بن محمود، وأنت كنت برفقته في زيارة رسمية إلى دولة العراق، وهذا ما نريد أن نفهمه في هذه الحلقة فدكتور حبذا لو تحدثنا بالتفصيل عن إقالة الوزير بن محمود بتلك الطريقة التي استغربها الكثيرون؟

بسم الله الرحمن الرحيم.. في الحقيقة لعل كلمة إقالة ليست مناسبة في هذا الظرف لأنه وقع تغيير وزاري واستخلف الوزير بن محمود بوزير آخر وسلمت الوزارة كما سلمت وزارات أخرى إلى وزراء آخرين، ولكن كنا في وفد رسمي بدعوة من الحكومة العراقية وكان الوزير بن محمود على رأس الوفد رفقة ثلاثة من مساعديه وكنت واحدا منهم، إضافة إلى الشيخ عبد القادر بن محمد رحمة الله عليه والزميل الصديق عمر سراج وذهبنا في أفريل 1977 إلى العراق، وفي آخر يوم لنا بالعراق وبينما كنا نستعد للذهاب إلى أبو ظبي تلبية لدعوة وزير التربية الإماراتي، جاءتنا برقية من الرئاسة إلى سفارتنا بالعراق…

^ لتبلغكم بوقوع تعديل حكومي؟…

لا لتبلغنا بضرورة الرجوع حالا إلى الجزائر

.
بدون أيه تفاصيل عما حدث ؟

نحن فهمنا،لأننا قبل مغادرتنا للعراق كنا قد سمعنا بإشاعات وجود تغيير وزاري على وشك الوقوع، فلبينا الأمر الرئاسي وأخذنا الطائرة بعد ذلك من بغداد الى باريس لأنها كانت المتوفرة في ذلك اليوم، واستقبلنا في باريس اثنان من الدبلوماسيين الجزائريين وتحدثنا عن التغيير الوزاري فقالوا إنه وشيك ولعله يحدث ليلة وصولنا.

^ هل كانوا يملكون معلومات عن الوزراء الذين يمسهم التغيير؟

كانت لديهم معلومات دقيقة، لاسيما في موضوع وزير التربية القادم، وذكر بالاسم الأستاذ مصطفى الأشراف وجاءت على لسانهم وزارات أخرى بعضها تحقق وبعضها لم يتحقق، المهم بعد أن ودعاناه أخذنا الطائرة نحو الجزائر وبعد يومين من وصولنا بدأ التغيير الوزاري الذي أعلنه الرئيس بومدين، والغريب في هذا التغيير أنه وقع بالتقسيط، أي أن الحكومة لم تقم بالإعلان عنه دفعة واحدة وإنما أعلن عن تغيير شطر من الحكومة التي ليس فيها مشاكل، وفهم ومن ذلك أن بومدين يلاقي صعوبات في تنفيذ ما يريد، فبعض الوزارات عينت في اليوم الأول، وهناك من الوزارات ما عينت ولم يلتحق أصحابها أبدا، وهذا دل على أن بومدين إما فقد سيطرته على النظام وإما له قوة أخرى تعارضه ،فمثلا أذيع وقتها أن الأخ عبد السلام بلعيد عين وزيرا للفلاحة والثورة الزراعية، وعندما ذهب الأخ عبد السلام بلعيد لاستلام وزارته قابله الأخ العربي الطيبي الذي كان وزير الفلاحة والثورة الزراعية وعضو مجلس الثورة وقال له “اسرع يا عبد السلام لوزارتك قبل أن تأخذ منك، أما هذه الوزارة فلا يمكنك استلامها” وأكدت الأخبار بعدها أن التغيير الوزاري ذكر مستشارين في الوزارة ليكون أحدهما كاتب دولة للثروة النباتية والثاني كاتب دولة للثروة وبقي الطيب العربي في وزارته…

^ …دكتور ما دلالة هذا التذبذب.. الواضح أنه فيه أجنحة بدأت تنازع الرئيس بومدين في صلاحياته ؟

هذا هو المفهوم، والناس وقفوا كثيرا عند تغيير ثلاث وزارات بالأساس ومن وضع على رأسها وهي وزارة التربية للأستاذ مصطفى الأشرف، وزارة الإعلام للأستاذ رضا مالك، ووزارة التعليم العالي للأستاذ عبد اللطيف رحال.

وهذا الذي جعل الكثيرين يصفون هذا التعديل الحكومي بـ«المجزرة” إن صح التعبير، لأنه استهدف تيار معين واستبدله بتيار أخر في هذه القطاعات الحساسة بالذات ؟

أولا كثير ممن درسوا هذه التشكيلة لقطاع التربية والثقافة بالذات فهموا بأن هناك نية لمحاصرة كل الجهود التي وقعت في وزارة التربية للتعريب ولإحلال اللغة العربية مكانها في المنظومة، وأن هؤلاء الوزراء جاءوا كل في ميدانه لمحاصرة هذا المد، ثانيا أن هؤلاء الوزراء من جيل واحد ومن طبقة واحدة، وعندما تولى الأستاذ مصطفى الأشرف وزارته وقع ما سميته بالمجزرة ولكن دعنا نقف لحظة لنتساءل عن ما يجعل وزارة التربية بالذات مستهدفة بهذا التغيير، فتغيير الوزراء وارد وبقاء الوزير لمدة سبع سنوات يعد قياسيا في تلك الفترة، ولكن ما كان وراء هذا التغيير هو استفاقة الناس على إجراءات قوية، بالإضافة إلى الإصلاح الذي مثلته أمرية 76، فوقع التعريب بطريقة عملية وأثمر في خلال ثلاث سنوات وصول ثلث التلاميذ من السنة الأولى ابتدائي إلى السنة النهائية بكالوريا ليقدمونها باللغة العربية في جميع المواد مع وجود اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

مقالات ذات صلة

إغلاق