مساهمات

قراءة متأنية في نداء أو بيان أول نوفمبر 1954 ( الحلقة العاشرة)

قراءة متأنية في نداء أو بيان أول نوفمبر 1954
د/محمد العربي الزبيري

(الحلقة العاشرة)
لقد كتبنا قبل مدة وما زلنا نصر على أن بيان أول نوفمبر، المعلق في سائر المؤسسات الرسمية يجب أن يسحب ويستبدل بترجمة صحيحة تكتب بماء الذهب، وهو إجراء يستحقه فحوى البيان الذي سوف يبقى خالدا للأجيال الصاعدة. لم نتوقف عن الدعوة إلى تحقيق ذلك لكننا لم نجد الآذان الصاغية والمسؤولين الذين يقدرون ثورة نوفمبر حق قدرها، ومع ذلك فإننا لن نتوقف عن الدعوة إلى إعادة النظر في الترجمة المتبناة رسميا، اليوم، رغم كل ما تضمنته من أخطاء وتناقضات تبعدها، أحيانا، عن الأغراض التي وجدت من أجلها.
إننا لن نتوقف عن التأكيد على أن الخطوط العريضة للبرنامج السياسي الذي تضمنه البيان مأخوذة من الوثائق الأساسية لأطراف الحركة الوطنية، يتجلى ذلك خاصة في التعبير عن الاستقلال الوطني بواسطة: إعادة بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، وتطبيق التطهير السياسي الذي يتوخى إعادة الحركة الوطنية الثورية إلى نهجها الحقيقي ثم تجميع وتنظيم كافة الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري. وبالنسبة للأهداف الخارجية فهي، أيضا، نفس أهداف تلك الأطراف أي: تدويل القضية الجزائرية وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطاره الطبيعي العربي الإسلامي، ومساندة سائر القضايا العادلة في العالم. لأجل ذلك يمكن القول: إن بيان أول نوفمبر حوصلة ذكية لأدبيات أطراف الحركة الوطنية في الجزائر، وهو أمر طبيعي حين يأخذ الدارس في الاعتبار كون النداء، أو البيان، موجه لكل الجزائريات والجزائريين.
إن الذين تعاملوا ويتعاملون مع تاريخ الثورة الجزائرية، حتى الآن، لم يفعلوا ذلك إلا وكأنهم يؤرخون لحرب تحريرية أو لأحداث دموية، أو لشكل من أشكال الحرب الأهلية التي ليست لها منطلقات إيديولوجية واضحة، وأكثر من كل ذلك فإن ثلة من إطارات الدولة الجزائرية أنفسهم وممن تقلدوا مناصب سياسية عليا وحساسة يسيرون في هذا الاتجاه ويدعمون هذا الإدعاء.
وإذا كان يقبل من المؤرخين والمفكرين والسياسيين الفرنسيين أن ينكروا على جبهة التحرير الوطني كونها حركة سياسية أصيلة تمتلك مشروع مجتمع متكامل، مغاير تماما لصورة المجتمع الذي أقامته فرنسا الاستعمارية، فإن ذلك مرفوض من الجزائريين الذين يفترض فيهم أن يكونوا أكثر إدراكا لحقيقة ما يجري في بلادهم وأقرب إلى فهمه من غيرهم، خاصة إذا كان هؤلاء ينطلقون من موقع المدافع عن المصلحة العليا لوطنهم.
فالمثقفون الفرنسيون وفي مقدمتهم المؤرخون يعرفون قي قرار أنفسهم، أن الحركة الوطنية الجزائرية قبل سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف، كانت تنطلق من إيديولوجيات متقاربة جدا لكنها جميعا تتناقض مع واقع الاحتلال، غير أن مصلحة فرنسا لا تكمن في العمل على بلورة ذلك التقارب حتى لا تتشكل الوحدة التي تقود إلى تعبئة الجماهير الشعبية من أجل استرجاع السيادة الوطنية، ولذلك، فإنهم كانوا، بكتاباتهم المتنوعة يهدفون، بدلا من البلورة، إلى إلغاء ذلك التقارب بإبراز الاختلاف الصارخ الذي يميز الوسائل المعتمدة من طرف كل تشكيلة سياسية وطنية لتقويض أركان الاستعمار، وبالتركيز على توسيع الهوة بين التيارات السياسية الوطنية العاملة على الساحة الجزائرية، لا يثنيهم شيء عن العمل من أجل تحقيق ذلك. ونظرا لسيطرتهم على مختلف الكليات التي تستقبل الإطارات الجزائرية في مرحلة ما بعد التدرج الجامعي، فإنهم قد ضمنوا استمرارية فكرهم بواسطة الأقلام الوطنية.
ولقد شاهدنا، في الربع الأخير من القرن العشرين، تقاسم الأدوار بين العسكريين والسياسيين الفرنسيين، الذين جرّدوا أقلامهم لتقديم تاريخ فترة الكفاح المسلح في شكل مذكرات وشهادات حية تحاول تجريد الحركة الجهادية في الجزائر من كل مقوماتها، وبين المؤرخين الذين أصبحوا يوظفون تلامذتهم الجزائريين لتمرير آرائهم التي لا تختلف في جوهرها عن آراء العسكريين والسياسيين المذكورين آنفا.
هكذا وقع غزو المكتبات الجزائرية بمطبوعات تتفق في معظمها على أن ما وقع في الجزائر، ابتداء من ليلة الفاتح من نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف لم يكن ثورة، بل مجرد حرب تحريرية استهدفت ّ الحصول على الاستقلال الوطنيّ. وإذا كان هذا التعبير يبدو بريئا، في ظاهره، فإنه في الواقع، يتجاوب مع أهداف المدرسة الاستعمارية التي ترمي إلى إجهاض الثورة التحريرية من جهة وإلى تبرير العدوان الفرنسي من جهة ثانية.
وبالفعل ورغم مقاومة بعض الأقلام الوطنية، فإن التعبير المذكور قد أصبح هو السائد، سواء في معظم الأبحاث العلمية أو حتى في أغلبية الوثائق الرسمية. وأكثر من ذلك، فإن استرجاع الاستقلال الوطني، وهو التعبير الصحيح، لم يتحقق، في منظور تلك الكتابات، بفضل ما قدمه الشعب الجزائري من تضحيات جسام في إطار حركة جهادية شاملة قادتها جبهة التحرير الوطني، لكنه جاء نتيجة حتمية تاريخية وبفضل تفهم الجنرال ديغول. ومن ناحية أخرى،”فإن العروبة والإسلام لا دخل لهما في تحرير الجزائر”. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة الجزائرية التي تقام بعد “الحصول” على الاستقلال يجب أن تكون لائكية ومتوجهة نحو الغرب المسيحي عبر حضارة البحر الأبيض المتوسط.
فلدحض كل هذه المزاعم الزائفة شرعنا في إنجاز هذه الدراسة التي قادتنا بالتدريج إلى تسليط الأضواء على العديد من المواضع الغامضة وإلى الخروج للقراء بمجموعة من الاستنتاجات التي لا تثبت وجود مشروع المجتمع الوطني فحسب ولكنها تكشف، أيضا، عن وجود مؤامرة كبرى شرع في تنفيذها منذ وقف إطلاق النار قصد إجهاض الثورة وإفراغها من محتواها الحقيقي. وللتذكير، فقط، نعيد إلى الأذهان أن وقف إطلاق النار جاء مرفوقا بالانقلاب العسكري الذي وقع ليلة الثاني والعشرين يوليو سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، والذي أطاح بالمؤسستين الشرعيتين اللتين كانتا تقودان الثورة، ونعني بهما: المجلس الوطني للثورة الجزائرية والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وإذا كان ذلكم الانقلاب يقوده في الظاهر كل من العقيد بومدين والرئيس أحمد بن بلة، فإن منفذيه الحقيقيين إنما كانوا من المدسوسين الذين قدموا من الجيش الفرنسي.

مقالات ذات صلة

إغلاق