مساهمات

في ذكرى رحيل “سي عبد الوهاب”

"سمو المعنى في سمو الذات"

كما جمجمةٍ فارغةٍ حوَّلها التافهون إلى مَـرْمَـدَة سجائر، أُفرغت ذاكرتنا الجزائرية الجماعية، وحواراتنا الفكرية والحضارية والدعوية، بل ومناهجنا الدراسية، من تذكر أبناء الجزائر الصادقين، ممن وهبوا شبابهم وحياتهم لخدمة “الأمة الجزائرية” التي كانوا يؤمنون بها إيمانا راسخا، مرافعين عن قيّمها ومكونات شخصيتها، مستحضرين دوما إسمنت الحضارة “دين الإسلام” الذي حبانا الله به، معتزين بجذورنا الأمازيغية وبانتمائنا للأمة العربية، تماما كما صدح الشيخ الصنهاجي، الإمام المصلح عبد الحميد بن باديس، رحمه الله:

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب.

وقد ودعنا في مثل هذا اليوم قبل سنة خلت، رجلا اغترف من جنان البوح، وما أرقاه وأجمله من بوح خصَّته به الثقافة والدعوة الإسلامية حتى صيَّرته شعلة من الفكر الرصين والدعوة الحكيمة في غير تعجل، فقد كان ـرحمه الله ـ جامعا لما قد يراه الناظر متناقضا، وإذا ما من جانب وجب لعموم الجزائريين معرفته في شخصية سي عبد الوهاب، رحمه الله، أنه داعية محنك وإداري مقتدر وإطار وطني كفؤ، مشبع بالقيم ولا يؤمن إلا بالتحرك عبرها ومن خلالها، قيم جعلت من الرجل خادما لوطنه ودينه دون استغلال ولا تشبت بعديد المناصب التي تقلدها، بل إنه ـ رحمه الله ـ رفض منصب وزير عندما عرض عليه، زاهدا في الحياة مفضلا مواصلة دعوته لعمل الخير وخير العمل.

سمو المعنى في سمو الذات.. سي عبد الوهاب أُنموذجا

أشكل عليَّ عنونة هذه السانحة، فأي عنوان يليق بمقدار رجل بطينة سي عبد الوهاب، إلى أن منَّ الله علي بمدد ساقه عبر أحد المناضلين الجزائريين الذين يعملون في صمت، ممن يحملون هم البناء والتشييد، رجل عايش سي عبد الوهاب وكان شاهدا على وطنيته وهمّته، ولا أملك إلا أن أحييه أن أهداني هذا العنوان، مستعيرا إياه من إحدى روائع الأدب العربي في السِيَّر، ألا وهي رائعة جاحظ العصر، الشيخ عبد الله العلايلي، بعنوان: سمو المعنى في سمو الذات عن الإمام الحسين رضي الله عنه.

والحقيقة أن السمو وحده من يليق برجال من طينة سي عبد الوهاب، رحمه الله، ومن عمل معه كإخوانه الشيخ عبد الرحمن شيبان، وأخوه البروفيسور سعيد والشيخ محمد الهادي الحسني وغيرهم، سمو ارتأوه مقصدا ومنهاجا للشباب الجزائري في تعامله مع قضايا وطنه وعصره، سمو نسجوه بسمو ذواتهم التي سخَّروها لخدمة الجزائر وخدمة دينها وهويتها، وهاهو الدكتور أحمد طالب الابراهيمي، في مذكراته التي عنونها بـ “مذكرات جزائري”، يروي فصلا جميلا (أيام كان وزيرا للتربية) من نضال سي عبد الوهاب، حيث قال:
“طلبت مجموعة من الطلبة تخصيص قاعة للصلاة في جامعة الجزائر، وهو مطلب شرعي سارعت إلى تلبيته، وكان الناطق باسم هذا الوفد هو عبد الوهاب حمودة” (الجزء الثاني صفحة 97 دار القصبة). وقد روى الشيخ محمد الهادي الحسني، مما أخبره به عبد الوهاب حمودة، رحمه الله، عن هذه الواقعة “أن الدكتور الإبراهيمي وضع راقنات وساحبات الوزارة مع الورق تحت تصرف سي عبد الوهاب ومن معه”.

الجبهة الفكرية.. هــــــــــــــــــمٌّ وهـِـــــــــــــــــــــــــمَّة

ربما لم يمر على الجزائر فترة أنقى توجها وأبهى توهجا على الصعيدين الثقافي والفكري وحتى الدعوي، كتلك التي احتضنت في ثناياها ملتقيات الفكر الإسلامي، ملتقى عالمي كان لسي عبد الوهاب البصمة الواضحة في تنظيمه والإشراف عليه حتى لقب بدينامو الملتقى، لما شُهِد له من جهود جبارة وصل بها الليل مع النهار حرصا وإصرارا على أن يكون هذا الملتقى منارة علم وتفكير، توجِد الحلول العصرية لمشاكل المسلم المعاصر. وقد كان مالك بن نبي، رحمه الله، “غارس بذور الملتقى ومهندسه”، من أول المفكِّرين بعالمنا العربي والإسلامي الذي نبهَّوا إلى أن الرتابة والاستكانة وتجميد الفكر سيكون وبالا على الأمة الإسلامية، وأن إغفال معركة الأفكار في صراع وجودي محتدم يقوم على إلغائنا كــــأمة واعتبارنا نشازا واعتبار ديننا دخيلا ومعاديا للإنسانية، أمر جلل يتطلب منا خوض ما أسماها ملك بن نبي، رحمه الله، معركة الأفكار، لذا كان من الداعين دوما إلى “أن تقوم ببلادنا رابطة من المثقفين لكشف هجمات الاستعمار على الجبهة الفكرية حتى لا تبقى الأفكار معرضة لتلك الهجمات دون نجدة ولا مدد”.
ومالك بني، رحمه الله، نفسه شاهد على همة سي عبد الوهاب، من خلال مذكراته شاهد على القرن-الدفاتر، إذ يورد في الصفحة 586، اتصال سي عبد الوهاب به داعيا إياه لإلقاء محاضرة بعنوان “الواجب والحق”، بتاريخ 1976.01.19، بثانوية عبَّان رمضان بالعاصمة. ويعود بن نبي لذكر بصمات سي عبد الوهاب لدى حديثه عن وفاة زوجته الفرنسية خديجة ـ رحمها الله ـ يوم 1973.05.26، تفصيل دقيق لتَلَقِّيه خبرَ وفاتِها وكيف بدأ الترتيبَ لنقل جثمانِها ودفنِها بالجزائر تلبيةً لرغبتها. ويذكر بن نبي أن سي عبد الوهاب ولدى اجتماعهم للاتفاق حول تفاصيل الجنازة ونقلها، كيف اقترح ابتداءً الردَّ على رسالة المستشفى من باب اللباقة والديبلوماسية، ثم شرعوا في ترتيب صلاة الغائب على روحها الطيبة الطاهرة بعد صلاة الظهر بمسجد الطلبة (مذكرات شاهد على القرن- الدفاتر. ص 615-616). ويعدو بني نبي لسرد الذكريات بالضبط يوم 1973.07.06 فيما عنونه بمرحلة باتنة، متحدثا عن رحلة بسيارة سي عبد الوهاب انطلقت في الساعة 14.20 بعد الزوال إلى برج حمودة، حيث صلوا صلاة المغرب بالمسجد الجديد. رحلات عديدة يحكيها مالك بتفاصيل دقيقة، بما فيها تغيير سي عبد الوهاب للعجلة الخلفية للسيارة بمدينة برج بوعريريج (مذكرات شاهد على القرن-الدفاتر ص 618)، تفاصيل تدلل على العلاقة القوية التي جمعت الرجلين ونضالهما المشترك لتحرير الفكر ونقل معركة الأفكار للأجيال القادمة، وما نقلهم لمؤتمرات الفكر الإسلامي من مدينة الى أخرى، ومن جامعة إلى أخرى، إلا دليل قاطع على رؤية استشرافية، وضعت نصب عينها تقوية الجبهة الفكرية، لا لشيء سوى لبناء مسلم معاصر قادر على رفع التحدي وبناء الأوطان.

وداعا سي عبد الوهاب

رجال من طينة عبد الوهاب حمودة، ممن أسميهم في أدبياتي المتواضعة “رجال ماتوا ليحيوا”، لأن الميت حقا هو الإنسان الذي يعيش جثة سفهللا بلا هدف ولا مشروع. أما سي عبد الوهاب وإن فارقنا إلى لقاء ربه، فقد بذر الخير وعُرف به، وإذا ما من شخص يجسِّد بحق جانب الفاعلية التي حث عليها كثير المفكر الفذ مالك بن نبي، فإن سي عبد الوهاب تجلٍّ حقيقي لذلك، وتشهد على ذلك كل نشاطاته، وهو الذي كان يردد دائما: اللهم اشهد فإني قد بلغت. ولأن الرجل يحمل هم الأمة فعلا، لم يمنعه وضعه الصحي المتدهور وآثار العياء والتعب الشديد البادية عليه إثر عودته من رحلة العلاج، من الإسهام والاهتمام بعديد الجوانب التنظيمية المتعلقة بالندوة العلمية التي نظمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت عنوان: “دور المسلم ورسالته في القرن الواحد والعشرين”، والمنعقدة يوم الإثنين31 أكتوبر، بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لوفاة مالك بن نبي، رحمه الله.
لقد كان سي عبد الوهاب من المشجعين بقوة لتولي الشباب زمام المبادرة، وقد كان رحمه الله; ُيصِرُّ عل إشراكهم في تنظيم المؤتمرات والندوات العلمية ومختلف الفعاليات الفكرية والثقافية، بل إنه كان حريصا على تكليفهم بمرافقة ضيوف الجزائر من العلماء والدعاة والمثقفين، من وحي إيمانه أن احتكاك شبابنا بغيره من النخبة كفيل بتحسين إدراكهم العلمي والمعرفي، أحوج ما تحتاج إليه الأمة وترجوه، على أن يكون لشبابها حظٌّ منه. وقد كان من وصاياه، رحمه الله، استنفار نخبة من المثقفين لتشكيل هيئة تُعنى بتنظيم الندوات الفكرية حتى يمكنها أن تتصدى للحملات المتتالية التي يتعرض لها العالم الإسلامي عموما والعربي خصوصا، حيث كان كثيرا ما يردد رحمه الله ” أن العالم الإسلامي يتعرض لأشرس هجمة في تاريخه، وأنه يجب علينا تحصين حصوننا المهددة من الداخل”، ومما رتب له وأشرف عليه إشرافا مباشرا حفل توديع السفير الألماني المسلم بالجزائر مراد هوفمان لدى انتهاء مهامه كسفير معتمد لبلده لدى الجزائر، وكذا لتكريمه بمناسبة صدور كتابه المميز “يوميات مسلم ألماني” (الصادر باللغة الفرنسية)، حيث أقام له الوزير السابق للشؤون الدينية والأوقاف، الدكتور سعيد شيبان حفلا توديعيا. وقد حرص سي عبد الوهاب حتى أثناء الحفل إلا أن يحيط السفير الألماني بثلة من الشباب الجزائري المثقف، تأكيدا منه ومن موقعه كأمين عام للوزارة حينها أنه لا مفر من إقحام الشباب في النقاشات العلمية والحضارية، وضرورة احتكاكهم بغيرهم من الكفاءات التي يمكن الاستفادة من علمها وتجاربها. كذلك لدى زيارة الأستاذ جودت سعيد، تلميذ مالك بن نبي، رحمه الله، إلى الجزائر، أبى سي عبد الوهاب إلا أن يستضيفه ببيت الأستاذ مالك بن نبي الواقع في شارع روزفلت، لما للمكان من رمزية. وقد أقام الأستاذ جودت سعيد في الجزائر مدة ليست باليسيرة، وقد رتب له الأستاذ عبد الوهاب أيضا لقاءات عديدة مع الطلبة، أغلبها كانت في بيت مالك بن نبي، رحمه الله.
أما إيمان سي عبد الوهاب بالشباب فهو عقيدة راسخة لديه، فله يعود الفضل إلى الزجِّ بعديد الأساتذة الأفاضل كي يتولوا إعداد وتقديم الأحاديث الدينية التي كانت تبث خاصة في شهر رمضان الكريم عبر التلفزيون الجزائري، وممن شجعهم وكلفهم بذلك من الشباب الأستاذان الفاضلان رشيد ميموني وسعيد بوجنون، وقد تعدَّى اهتمامه بالشباب إلى الانتباه لإنتاجاتهم، ولطالما كان يشيد، رحمه الله، بالكتابات الرزينة والقوية للأستاذ سليم قلالة، ولطالما اعتبره شابا مثقفا وكاتبا مقتدرا يشكل أملا كبيرا، ينبئ بجيلٍ واعٍ ومثقف قادر على حمل رسالة الشهداء وبناء الدولة الجزائرية القوية بأبنائها المتعلمين والمثقفين والمتشبعين بمعاني التسامح والتعايش والإبداع، كذلك كانت سعادته وفرحته بالكاتب أمين نور، خاصة بعد اطلاعه على كتاب هذا الأخير بعنوان “العرب على موعد مع سايكس بيكو جديد”، وقد اعتبر ما ورد فيه، محتوى ينم عن قوة استشراف وتحليل تعبر عن ذكاء الشباب الجزائري وقدرته على فهم محيطه وإدراك المشاكل والتحديات المحيطة.
إن الحديث عن سيرة سي عبد الوهاب ومناقبه، عن فكره وأسلوبه الحكيم في الدعوة وخدمة الجزائر وتنوير شبابها، حليٌّ أن ينكبَّ عليه الطلبة والباحثون، فـ “سي عبد الوهاب رحمه الله”، قدوة علمية وأخلاقية وإدارية تستحق أن نتوقف عندها مطولا، سائلين الله أن يتغمده بشآبيب رحمته، وحسبنا في هذه الأسطر أن تكون مجلبة للترحم على روحه، فرحمة الله على سي عبد الوهاب الرجل الشهم والداعية الحكيم.
مراد ملاح

مقالات ذات صلة

إغلاق