مساهمات

هكذا قضيت رحلتي في لبنان

بقلم الاعلامي: جمال نذير

الجزء الثاني

نسمات خليج بيروت أيقظتني صباحا، خرجت للشرفة ليقابلني تزاوج زرقة السماء بزرقة البحر، تتوسطهما شمس لاسعة تنبأ بيوم مشمس وحار، وكأن الجو جاء ليدافع عن هذه المدينة، ويقول لي هنا ولد الجمال والأمان ولا تعبأ بالقمامة ولا بالكهرباء، ما يشد انتباهك في بيروت هو خلق أهلها، فالجميع ينادي بعضه بـ”حبيبي” و”أخي” وغيرها من عبارات حسن الأدب. خدماتهم راقية جداً حتى في المطاعم البسيطة، لا تحرشات في الشارع ولا معاكسات ما عدا بعض الحالات القليلة جدا التي لم تخرج عن المعقول. زحمة في الشارع والمقاهي وحتى في المكتبات المنتشرة هنا وهناك، فلقد كان من الجميل أن أشاهد لوحات إشهارية في الأعمدة لإصدارات أدبية وشعرية أنستني قليلا إشهارات البن والعجائن المنتشرة عندنا، شعب جميل وأنيق يفقه في الموضة والإتيكت،لا تسمع صراخه في الشارع أو في المطعم . سائقو السيارات لا يسبون بعضهم رغم قيادتهم الكارثية. زرت جامعة بيروت القريبة من “خليج زيتونة”، وشعرت بالحزن على جامعاتنا وأترككم تتخيلون سبب ذلك، ولدى خروجي شاهدت الكثير من العائلات تتجول على الخليج، نساء رجال وأطفال يمارسون رياضة الركض أو سياقة الدراجات، وبين الفينة والأخرى تأتيك طفلة سورية تبيع الورد أو الحلويات، الكثير ممن التقيتهم أكدوا أن ريف لبنان هو الأكثر استقطاباً للسياح نظرا لأشجار الأَرزِ التي تكتسيه، وخصوصا وفرة المرافق ومراكز التسلية، غير أنهم أجمعوا أن لبنان فقدت الكثير من بريقها منذ سنوات، نظرًا لعدة مشاكل يتخبط فيها البلد، ولم تعد إطلاقا “باريس الشرق” مثلما كانت تلقب سابقا. رغم غلاء كل شيء، غير أنني تعقلت عندما علمت أن معدل الأجر في لبنان يفوق الألف دولار شهريا، في حين أن إعلاميا التقيته يتقاضى حوالي 2000 دولار!، وهو ما يفسر كثرة الأصفار في أوراقهم النقدية، فهم يملكون ورقة بمائة ألف ليرة!. تسكعت في أزقة المدينة، وملأت بطني بمأكولاتهم وحلوياتهم، لكن طيلة تجولي سؤال لم يفارق ذهني: “كيف لمدينة عادية مثل هذه أن تصير مزارا سياحيا لكل سكان العالم ؟”، الجواب جاءني بعد ليلتين، وأنا في زقاق شارع بمدينة “الحمرا”. صدح آذان صلاة العشاء من مسجد ليس ببعيد، وقفت لبرهة في مفترق طرق حتى أختار وجهتي فشاهدت في مقهى ليس ببعيد شقراءً بلباس قصير جدا تدخن الشيشة عرفتها أوربية من لهجتها، أمامها تجلس عائلة محجبة يتبادلون الأحاديث والضحك، وفي الشارع المقابل شاهدت ملتحياً يقود عجوزاً مسنة من يدها نحو المسجد، هو يعايرها مازحاً لبطئها، وهي تعتذر له ضاحكةً لِما أخذت من وقته، وعلى نفس الرصيف شاهدت شاباً يراقص فتاةً على أنغام أغنية شرقية صادرة من ألحانة التي خرجا منها بعد أن دوّخا عقليهما قليلا، وفي الطريق الأخرى مجموعة نساء بجلابيب سوداء يحملن أعلاما خضراء كتب عليها “حسينيات العقل والروح”، ويقمن بتوزيع منشورات على المارة لم يتسن لي معرفة محتواها. في غمرة كل ما شاهدت، أحسست بعقارب ساعتي تتوقف، أحسست بأفكاري تفترق في مفترق الطرق الذي أقف فيه، كيف للشقراء أن تدخن الشيشة دون أن تتعرض لنظرات استحقار من العائلة المسلمة الجالسة أمامها؟، كيف للملتحي أن يسير أمام حبيبين مخمورين يرقصان في الشارع دون أن يلعنهما، بل دون أن يوقف مزاحه مع والدته المسنة؟، وكيف لمجموعة النساء المتوشحات بالسواد أن يمارسن شعائرهن الشيعية بكل حرية في شوارع بيروت دون خوف ولا تخفي؟. لحسن حظي أنني سريع البديهة، وأدركت في الحين أن المدينة أسرتني، هي ليست ساحرة بل مشعوذة!.. إحذر من بيروت إنها تأسرك وتكيد لك، تعطيك طلسمًا عبر نسيمها لو تذوقته ستسقط أسيرًا في حبها. وفي غمرة ما شاهدت، أدركت لماذا تفوقوا هم وفشلنا نحن، مفتاح الأمان لأي مدينة هو التعايش، لا دخل لغسان في شمعون، ولا لنجوى في سوزان، كل حر في معتقده وسلوكاته مادام لم يتجاوز حدود غيره، هم يوفرون كل شيء يحتاجه الإنسان، مدينتهم لا تنام وخدماتهم لا تتوقف، إذا شعرت بالجوع إنزل إلى المدينة وستجد كل ما تشتهيه، إن أردت الصلاة ستجد عشرات المساجد الجميلة، وإن أردت الرقص فالملاهي تملأ المدينة، أو بكل بساطة أرقص في الشارع مثلما فعل صاحبنا الذي وقع هو أيضا أسيرًا للمدينة المشعوذة.

مقالات ذات صلة

إغلاق