مساهمات

قراءة أدبية في رواية “رياح القدر” للكاتب والباحث اللغوي مولود بن زادي

قراءة سليمة مليّزي

الرواية فنٌ نثري وسردي أدبي جميل، تُعتبر من أشهر أنواع الأدب العربي، وتقومُ على طرح قضايا أخلاقية واجتماعية مختلفة بهدف معالجتها أو محاولة البحث فيها، وتختلف وجهة نظر تجسيد الحكاية أو السرد الروائي من كاتب لآخر، فهناك من يوظف فيها شيئا من الخيال حتى يضفي عليها نوعا من التشويق وأخذ القاري إلى عالم جميل، وهنتك من يوصف السرد الحالم العاطفي حيث نجد معظم المشاهد العاطفية عبارة على مشاهد شاعرية، وهناك من يطرح الواقع المعاش لحقبة معينة من الزمن، حيث تعتبر الرواية الواقعية هي الأكثر تشجيعا وقراءةُ، إلا أ نها تعتبر كموثق للتاريخ، وهذا ما قرأناه في رواية “ر ياح القدر” للروائي والكتاب الجزائري المقيم في لندن مولود بن زادي. إنّ هذه الرواية “هي نتاج بيئتها ليس فقط من حيث القصة والخطاب وإنما من حيث اكتسابها كل آليات البنية التبليغة العامة للخطاب اللغوي عبر المسار البلاغي للنص، المنحى الجمالي في الرواية لم يخرجها عن واقعيتها، باعتبار أنّ السارد وإن امتلك خيالا واسعا إلاّ أنّه لم يجنح عن الأرض بعيدا، وظل يستنطق الواقع بكل ما يحمله من تناقضات”.

الرواية المقتبسة من قصّة حقيقية هي في واقع الأمر عالم واسع يبحر فيه الكاتب بكل جوارحه وصدقه وألمه، ويمر عبر سنين العمر التي تعبر عن واقع معيش لحقبة ما، وقصة مؤلمة تتركنا نغوص فيها بكل جوارحنا، وقوة مبدعة تحمل هذه الذات من ضيق القلب إلى اتساع الفكر والطموح، فتحلق بروح المبدع إلى عوالم الحقيقة حيناَ والخيال أحيانا، ولا بد من ذلك حتى يستطيع الروائي أن يصنع لوحة فسيفيسائية تترك القارئ يحلق مع الحدث بكل جوارحه .. والجميل هو الأسلوب الذي يكتب به المؤلِّف، سواء كان فلسفيا أو واقعيا أو مباشر، له تأثير أيضا في كسب القارئ وتشويقه للقراءة .. إذا أمعنا النظر في رواية “رياح القدر” للكتاب والروائي والمترجم، مولود بن زادي، وجدنا أنه يكتب بأسلوب سهل ممتنع واقعي جدا ومباشر وأيضا كلاسيكي يذكرنا بالكاتب الكبير غبرايل غارسيا مركيز، حيث يطرح الحدث بكل تفاصيله مما يتركك تعيش القصة بكل تفاصيلها بعيدا عن طرح العاطفة الزائدة عن الواقع واللف والدوران. يأخذنا الروائي مولود بن زادي، إلى عالم النفس التي تعبر عن انفعالاتها ومشاعرها استبطانا صادقا عفويا يعبر بصدق عن شعور نابع من القلب، يترك البطل يستعطف القارئ مما يتركه يعيش قصته بكل تفاصيلها، والقوة الحافظة لأخلاقية المبدع في التزامه بهموم الواقع وأوجاع الكائن الإنساني وأحاسيسه بعيدا عن التكلّف والتصنع، وهذا ما يميز رواية “رياح القدر” التي تطرح قضية عانى منها شباب الوطن كثيرا وهي الهروب إلى الغرب، وهو حلم يراود كل شاب يطمح إلى حياة أفضل وراء البحر ويترك وراءه حب الوالدين والوطن وشمس تشرق كل صباح تنثر الفرح والدفء العائلي وحب الوطن الذي يبقى في القلب، وأيضا فراق أول حب في حياته.. يوصف الكاتب في مقدمة الرواية وصفا دقيقا لوداع الشاب لوالديه وبيته بكل دقة وحتى التفاصيل الدقيقة، ما يجعل القارئ يتبع خطى البطل بكل تفاصيلها:
{كَمْ هِيَ غَريبَةٌ هَذِهِ الحَيَاةُ. بالأمْسِ، حَكَمَ عَلَيْهِ الزمانُ بِفِراقِ حَبيبتِه، وَهَوَى بِهِ في غَيَاهِبِ الوِحْدَةِ جَريحاً، مُدَمَّراً، تَمْلَأُ فُؤَادَهُ مَرَارَةُ البُعَادِ عَنْهَا، وتُمَزِّقُ رُوحَهُ لَوْعَةُ الشَوْقِ إليها، وهَا هُوَ اليومَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ثانيةً، وَهُوَ لا يَزالُ وَاهِناً، جريحاً، يَنْزِفُ قَلْبُهُ دَماً، وتتّقِدُ نَفْسُهُ ألَماً، فَيَحْكُمُ عليهِ بِفِراقِ الأهْلِ والأحِبَّةِ والأقارِبِ والنَّفْيِ بعيداً عَنِ الوطن مَا أشَدَّ حُزْنُهُ اليَوْمَ وهُوَ يَنْأى عَنْ مَهْدِ طُفُولتِهِ. يَمُدُّ يَدَهُ فَيتَنَاوَلُ حَقِيبَتَهُ ويَتَأهَّبُ لِمُغَادَرَةِ غُرفتِهِ بِقَلْبٍ مُنْقَبِضٍ، فلا يَكادُ يَبْلُغُ عَتَبَةَ البابِ حتى يَتَوَقَّفُ ويَلْتَفِتُ خَلْفَهُ ويُجِيلُ عَيْنَيْهِ في أرْجَائِهَا، فيتَأمّلُ مَكْتَبَهُ وسَريرَهُ ومَكْتَبَتَهُ ولَوْحَاتِهِ المُعَلّقَةَ على الجُدْرَانِ، ويتَفَحّصُ كلَّ رُكْنٍ مِنَ الأركانِ بتَأثّرٍ وأسىً كأنّهُ لا يَقْوَى على مُفَارَقَتِهَا. مَا أشدّ عَذَابُهُ الآنَ وهوَ يُوَدِّعُ أهْلَهُ. يُحَاوِلُ أنْ يُوَارِيَ عَنْهُمْ تَأثُّرَهُ الشّديد، فَيَمُرُّ بِالقُرْبِ مِنْهُمْ مُطَأطِئَ الرَأسِ، مُضْطَرِبَ الخَاطِرِ، مُتَجَنِّباً أنْظَارَهُم المُتَأثِّرَةَ العَالِقَةَ بِهِ. ويَشُقُّ على والِدَتِهِ الحَنُونِ فِرَاقُهُ دُونَ مُعَانَقَتِهِ، وكأنه كَمْ هِيَ غَريبَةٌ هَذِهِ الحَيَاةُ. بالأمْسِ، حَكَمَ عَلَيْهِ الزمانُ بِفِراقِ حَبيبتِه، وَهَوَى بِهِ في غَيَاهِبِ الوِحْدَةِ جَريحاً، مُدَمَّراً، تَمْلَأُ فُؤَادَهُ مَرَارَةُ البُعَادِ عَنْهَا، وتُمَزِّقُ رُوحَهُ لَوْعَةُ الشَوْقِ إليها. وهَا هُوَ اليومَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ثانيةً، وَهُوَ لا يَزالُ وَاهِناً، جريحاً، يَنْزِفُ قَلْبُهُ دَماً، وتتّقِدُ نَفْسُهُ ألَماً، فَيَحْكُمُ عليهِ بِفِراقِ الأهْلِ والأحِبَّةِ والأقارِبِ والنَّفْيِ بعيداً عَنِ الوطن، مَا أشَدَّ حُزْنُهُ اليَوْمَ وهُوَ يَنْأى عَنْ مَهْدِ طُفُولتِهِ. يَمُدُّ يَدَهُ فَيتَنَاوَلُ حَقِيبَتَهُ ويَتَأهَّبُ لِمُغَادَرَةِ غُرفتِهِ بِقَلْبٍ مُنْقَبِضٍ، فلا يَكادُ يَبْلُغُ عَتَبَةَ البابِ حتى يَتَوَقَّفُ ويَلْتَفِتُ خَلْفَهُ ويُجِيلُ عَيْنَيْهِ في أرْجَائِهَا، فيتَأمّلُ مَكْتَبَهُ وسَريرَهُ ومَكْتَبَتَهُ ولَوْحَاتِهِ المُعَلّقَةَ على الجُدْرَانِ، ويتَفَحّصُ كلَّ رُكْنٍ مِنَ الأركانِ بتَأثّرٍ وأسىً كأنّهُ لا يَقْوَى على مُفَارَقَتِهَا. مَا أشدّ عَذَابُهُ الآنَ وهوَ يُوَدِّعُ أهْلَهُ. يُحَاوِلُ أنْ يُوَارِيَ عَنْهُمْ تَأثُّرَهُ الشّديد، فَيَمُرُّ بِالقُرْبِ مِنْهُمْ مُطَأطِئَ الرَأسِ، مُضْطَرِبَ الخَاطِرِ، مُتَجَنِّباً أنْظَارَهُم المُتَأثِّرَةَ العَالِقَةَ بِهِ. ويَشُقُّ على والِدَتِهِ الحَنُونِ فِرَاقُهُ دُونَ مُعَانَقَتِهِ}، فإذا أمعنا النظر جيدا في هذا المقطع قرأنا تفاصيل الرحلة وحسرة الشاب على توديع الأهل وفراق الوطن.
النص البلاغي في الرواية يأخذنا إلى عالم من الجمال والحزن والفراغ والتام في الأفق لحلم جميل ما وراء البحر، والعربة والتحدي من أجل النجاح، وأيضا الرجل الآخر التي لا تريد مغادرة الوطن لما يحمله من حب وتاريخ الطفولة والأهل والأصدقاء والمدينة التي تعلق بها البطل، هذه الأحداث والشخصيات في الرواية الواقعية، كانت منسجمة في أدائها سلبا وإيجابا بعيدا عن البناء المخيالي، والتصوري للكاتب، مما تركت جمال الرواية هو الدافع الحقيقي والأبلغ للقارئ يتعلق بأحداثها لما تحمله من جماليات السرد السهل الممتنع.
قراءة سليمة مليزي

مقالات ذات صلة

إغلاق