مساهمات

ذكريات مثيرة ومواقف حتمية

لمترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية

سي حاج محند م. طيب
الحلقة 18

أدخلت الزوجة إلى المستشفى بمرسيليا، وأُجريت لها عملية جراحية ليست معقدة كثيرا. ولما عادت إلى الجزائر اكتشف الطبيب أن لفافة من شاش تضميد الجراح قد تركت في جوفها. ولما اتصلت بالطبيب الذي أجرى العملية ومعي شهادة الطبيب بالقضية لم يبد أي انزعاج، بل أجابني بكل فتور: “ستشفى”…اغتظت من تلك اللامبالاة، وكنت قد عزمت أن أطلب فقط فحصها مجانا مع تحمل تذكرة السفر… حينئذ فكرت كيف أنتزع منه الاعتراف، خوفا من أن يتهم الطبيب الجزائري بالتزوير؛ فوجهت له رسالة تظاهرت فيها بأني أستشيره: هل أرفع القضية إلى المحكمة ضد المستشفى وليس ضده هو، أجابني في رسالته بأنه أنّب الممرضة التي ارتكبت الخطأ لمجرد علمه به. أما رفع القضية إلى المحكمة فإنه لا يريد توجيهي، ولكنه يشفق علي من الدخول في قضية معقدة ومكلفة وطويلة…ثم استشرت طبيب الأسنان جاء للتخصص في غرس الأسنان، وزوجته معلمة منتدبة أنا مفتشها، فنصحني أن أعرض القضية على محام، هل ينبغي رفع القضية إلى المحكمة، فقلت له: “إن المحامي سيدفعني لذلك دفعا؛ لأن مورد رزقه من ذلك”. قال: “صحيح”. اتصلت بالودادية فوجهوني إلى محامية جزائرية تعمل معهم، ولما اطلعت على رسالتي وجوابها قالت لي: “القضية رابحة لقد أوقعته باعترافه في شرك”.. حكمت المحكمة بعرض المريضة على الخبير، وتقديم تقرير في ظرف لا يتجاوز شهرا، ولكنه بقي ما يزيد على أربعة شهور، حتى سعيت في تحريكه من جديد. وبعد بضع سنوات حكمت المحكمة بتعويض هزيل، ولم أطلب الاستئناف لرحيلي عن فرنسا…
من الطرائف أنني لما عزمت على إدخال الزوجة إلى المستشفى، قصدت مصلحة الاستقبال لتقديم المعلومات الخاصة، وأثناء ذلك سألتني الموظفة: هل لنا أولاد؟..أجبت بالإثبات، ثم سألت: أكثير هم أم قليلون؟.. أجبت متظاهرا بسذاجة: متوسط… سألت: كم هم بالضبط؟.. قلت لها: أحد عشر فقط..وضعت القلم ورفعت صوتها تنادي: تعالوا يا ناس: سيدات وسادة لتروا العجب العجاب، السيد له 11 ولدا ويقول: لي عدد متوسط من الأولاد.. انفجرت القاعة بالضحك وبتعاليق مرحة ممزوجة بشيء من الاستغراب.
تسلمت المحامية المبلغ بعد أن أمضينا لها على الوثيقة، ولكنها بقيت مدة ليست بالقصيرة تتهرب من تحويلها إلى حسابي الجاري الذي تركته مفتوحا من أجل ذلك. ولما هددتها بمراسلة المحكمة التي فصلت في القضية حولت المبلغ في ظرف أسبوعين أو أقل.
تركت مبلغا من المال في البنك لشراء قطع الغيار للسيارة عند الضرورة، ولما توفرت القطع راسلت البنك لإغلاق الحساب وتحويل المبلغ المتبقي إلى حسابي بالجزائر، ولكن الطلب رفض بحجة أنني لا أملك المبلغ المطلوب. أعدت المراسلة مرفقة بكشف المحاسبة الأخير، كدليل على أني أملك المبلغ، ومع ذلك خفضته احتياطا لاحتمال استحقاق لبعض الرسوم. أعيد إلي الملف دون ذكر أي سبب، أعدته مرة أخرى مرفقا باحتجاج وتهديد برفع القضية أمام العدالة، فما كان من البنك إلا أن حوله في ظرف لم يتجاوز عشرة أيام… ذكرت هذا من أجل أن يعرف الحقيقة أولئك السذج المساكين، الذين يتغنون بأن الحقوق في فرنسا هي التي تبحث عن أصحابها، ولو لم يبحثوا هم عنها.. يا لها من سذاجة أطفال أغرار…
قصدت أحد المحلات الكبرى لتجهيز السكن الذي استأجرته، وبما أني لا أرى الأرقام إلا بنظارات القراءة.كنت أضعها في جيبي كلما انتهيت من استعمالها، بيد أن المراقبين انتظروني عند الخروج، وقادوني إلى حيث طلبوا مني إخراج ما سرقت… أجبتهم في استغراب: “حين كنت صغيرا لم أسرق قط، فكيف أسرق اليوم، وأنا قطعت مرحلة هامة في شيخوختي؟”، أجابني أحدهم: “من يدري؟.. إذا سندعو الشرطة”، قلت لهم: “لماذا”؟، قالوا: “لأن آلة التصوير التقطت أنك تضع أشياء في جيبك”، قلت لهم: “نعم، كنت أضع النظارات بعد استعمالها وهاهي”، ومع ذلك قالوا: “سندعو الشرطة”، قلت: “لا داعي، وسأخرج ما في جيوبي”، ففعلت.. قمت بهذا حتى لا يراني الناس مع الشرطة، إذ من المتعذر إبلاغ براءتي لكل من رآني معهم. تدخل شخص آخر وكنت أظن أنه سيعتذر مني، ولكنه قال: “إذا سندعو الشرطة”… عندئذ انفعلت وقلت له بلهجة حادة: “هاهي أشياؤكم في بطني، خذوا السكين وابقروا بطني واستخرجوها”.. انصرفوا عني.. ولما وصلت إلى المنزل كتبت رسالة شكوى إلى المدير، وهي أول رسالة أكتبها بالفرنسية، تلقيت عنها رسالة الاعتذار مع وصل يسمح لي باقتناء ما قيمته عشرة آلاف فرنك فرنسي مجانا… وكنت قد فكرت أن أطلب المعلم الذي أقيم عنده بكتابة الرسالة لتحكمه في الفرنسية أكثر مني، ولكني لم أفعل؛ لأني خشيت من انتشار الخبر الذي قد تلحقه إضافات عن قصد أو غير قصد، فيشيع أن المفتش قبض عليه وهو يسرق، وأدركت أنه من المتعذر تبليغ براءتي لكل من سمع الخبر.
كنت أسوق سيارة بمدينة “نيم” وتفاجأت باشتعال الضوء الأحمر ولم أتوقف خوفا من الانزلاق، وبعد قطع مسافة معتبرة إذا بالشرطة تقف بجانبي، فأخبروني أني تجاوزت الضوء الأحمر، ولم أنجح في إقناعهم ببراءتي. سحبت مني الرخصة وبعد أيام اتصلت باستدعاء من المحكمة، ولكني تهيبت من المرافعة لعدم تحكمي في الفرنسية. لجأت إلى تقديم مرافعتي كتابة، لأن القانون يسمح بذلك. ومن جملة ما قدمته من الحجج: “أن الشرطة لم توقفني بل وقفت بمحض إرادتي، وبعد مسافة مهمة، كما أنهم بعيدون مني، فلو أردت الهروب لكان ذلك في مقدوري، لذا أعتبر نفسي بريئا. ولكن الشرطة أيضا لا يكذبون… فماذا كان من الممكن قد وقع إذا؟… المحتمل أن الشرطة رأت غيري واشتبه عليها الأمر فظنوني أنا الفاعل…”. ختمت الرسالة باعتذاري عن مستوى اللغة لأن شهاداتي بغير اللغة الفرنسية.. وهكذا استعدت رخصتي، ونجوت من المخالفة التي كانت قيمتها 340 ألف فرنك فرنسي، وهي المرة الثانية التي أكتب فيها بالفرنسية.
بالمناسبة منذ 1964 إلى اليوم: (‏28‏/05‏/2012) ما بقيت بدون سيارة، وقد سلمت والحمد لله من الحوادث ما عدا صدامات خفيفة. ولم أكن قط أنا السبب فيها؛ بحيث لم تدفع شركة تأميني لخصومي ولو سنتيما واحدا كل هذه المدة، ولا أخالني تجاوزت حدودي لو طلبت من الشركة تزويدي بسيارة مجانا مكافأة لي، (ومع ذلك لا أفعل لأني حتى ولو كنت طماعا لكن لست طماعا إلى هذا الحد).
التقيت بقريب لي بباريس ودعوته للعشاء، ولما سألته عن أحواله أخبرني بأنها صعبة للغاية؛ لأن إقامته غير شرعية، ومورد رزقه يقتصر على غسل الصحون بالمطاعم خفية، ولبعض الساعات، وأحيانا لا يجد حتى ساعة واحدة، قلت له: “لقد كنت في الجزائر مديرا للمستشفى، وتستقبل من تريد وترفض من تريد، أما هنا فإنك تغسل الصحون للسكارى إذا تقيأوا فيها (حاشاكم)، وخفية وبدون أي تأمين..؟، قل لي بربك: هل يستطيع ألد أعدائك أن يفعل بك ما فعلته أنت بنفسك”؟، قال: “الله غالب ماكنت أظن أن الأمور هكذا”، قلت له: “عد إلى الوطن”، قال: “مستحيل.. خجلت”، قلت له: “أنتم تتقلبون على فراش البؤس وضنك العيش، ولكن المؤسف حقا أنكم تخدعون وتغررون بالشبان المساكين، وتوهمونهم أنكم في الجنة”.
هذا، وليست كل مدة أربع سنوات هذه مريحة دائما، وهناك استفزازات وأحيانا مكايد من بعض أفراد الجالية سامحهم الله، مما جعل بعض المنتدبين منا يعودون بعد ثلاثة أشهر فقط، فسئلت مرة: كيف لم أقطع مدة انتدابي كغيري، أم أني وجدت ظروفا ممتعة؟، فأجبت: “لقد فكرت مرارا في ذلك، ولكن الشجاعة تنقصني، والخجل يكبلني”… فمن ذلك مثلا: أن المشرف على الشؤون الثقافية الذي نعمل تحت إشرافه كان يأمرنا بالحضور إلى الودادية في أيام العطل فيحجزنا هناك بدون أي عمل، وكان يقول عنا: “والله لأخرجن من عيونهم تلك الدريهمات التي يتقاضونها”. وذات يوم كنا في اجتماع، وسألني هل أعددت له الوثائق المطلوبة، أجبت: “نعم ولكن على نسخة واحدة فقط، لأن الناسخة متعطلة”، فاستشاط غيظا وقال: “أنا غدا سآخذها للاجتماع”، قلت: “أنا لا علم لي بهذا، ولو كنت أعلم لقطعت مسافات، ودفعت المقابل غاليا من أجل إعدادها”… ولكنه تمادى في غليانه، وفي الأخير دعانا إلى المكتب وواصل تهجماته، قلت له: “كيف تحاسبنا على شيء لم نعلم به”؟، قال: “لقد قلت لكم أحتاجها للاجتماع غدا”، قال زميلي: “قلت هذا لي أنا”، قلت له وأنا في أوج الانفعال: “أتريدني أن أعرف ما تحدث به غيري؟… لست نبيا… كما أن مهمتي التفتيش وليس إعداد ورقة، لقد قمت بمهمة التفتيش مدة تقرب من عشرين سنة ولم أتلق يوما رسالة تذكرني بالتأخر عن إنجاز عملي، واليوم أنت تتهمني بعجزي عن تحضير ورقة، وكان يجب عليك أن تكلف واحدا منا وتزوده بكل المعلومات، هكذا تسيّر الأمور، زيادة على أن هذا عمل الكاتب وليس عملي أنا..”، قال: “إذا أنا حمار لا أفهم”؟، وكررها مرارا.. وقلت له: “هذا شأنك لا يهمني”… ومنذ ذلك اليوم أصبح يناديني: سيد الحاج بدلا من سي حاج. وكم مرة قصدني للاقتراض فأقرضته، ولسان حالي يقول: “والله لأوقفنّك عند حدك حين تحاول التطاول، وسأغيثك إن استغثت بي”.
كما توجه التهم إلينا بأننا نسجل مراكز وهمية للتعليم الهامشي حتى نتقاضى المبالغ المخصصة لها. وكم مرة أجريت تحقيقات علينا، فأسفرت النتيجة عن تهم باطلة، ومع ذلك تتكرر التهم بكل وقاحة… فمن ذلك تكليف من يجري عليّ التحقيق وأنا معه، وقد هددني المشرف بتحمل مسؤوليتي وأنه لا يتستر علي، ولا يقبل أن يدفع لمعلم وهمي، إشارة إلى أننا نسجل أسماء وهمية لنتقاضى المبالغ عنهم. ذهبنا ووجدت نفسي في مدينة (پور دو بوك)، وهي ليست المدينة التي سجلت في الوثائق، فقلت لمرافقي: “المدينة هي كذا وليست هذه”.. ذهبنا ولما وصلنا إلى المكان المقصود هممت بالدخول، ولكن بدا عليه الارتباك كأننا نريد أن نسرق فاستمهلني، وقلت له: “هيا ندخل إلى المديرة لا داعي للتردد”، دخلنا وبدأت الحديث وقاطعني معتذرا من المديرة، قائلا: “سي حاج معرب وهو لا يحسن الفرنسية جيدا”، قاطعته المديرة بلهجة مؤنبة وقالت: “ولكننا تفاهمنا، وأين المشكل”؟. واصلت حديثي مع المديرة التي زودتنا بمعلومات مطابقة للتي قدمتها للإدارة، وفي طريق عودتنا قلت لمرافقي بنبرة لم تخل من تأنيب: “وهل مهمتك أن تعتذر من أنني لا أتقن الفرنسية؟، لا حاجة لي بذلك، أنا جزائري حر: أحسن اللغة الوطنية، وقدرا من اللغة الأجنبية، يكفيني لقضاء حوائجي، أما أنتم فتجهلون جهلا تاما لغتكم الوطنية، وأينا في الحالة الطبيعية..؟، لقد رأيت.. وحتى المديرة أنّبتك واستغربت تدخلك غير السليم”… قدمت تقرير التحقيق على نفسي، فقال من اتهمني: “أليس هكذا أحسن”؟، فقلت له: “لا.. والآن أنا أيضا أطالبك بمن زودك بالمعلومات الكاذبة.. إنكم تريدون تلويث من كان نظيفا طول حياته وبالباطل.. ألا تخافون الله..”؟، ابتلع لسانه ولم ينبس ببنت شفة.

يتبع

مقالات ذات صلة

إغلاق