مساهمات

نحن والتاريخ (الحلقة الرابعة)

بقلم الدكتور العربي الزبيري

نحن والتاريخ

الحلقة 4

لقد كان ذلك التاريخ محطة أساسية في مسار ثورة نوفمبر، وكان يمكن أن يكون منطلقا نحو انتصارات أخرى متممة، تؤدي، ما في ذلك شك، إلى إنجاز الأهداف التي حددها بيان الفاتح من نوفمبر 1954، غير أن الذي حصل بعد وقف إطلاق النار مباشرة، لم يكن في الحسبان، لأنه وقع تجسيدا لمخططات المحتل السابق التي ظلت تستهدف، بجميع الوسائل، إجهاض الثورة وسد طرق النجاح في وجهها. وكان من بين تلك الوسائل إبعاد الإطارات القيادية الفاعلة التي تمرست في صفوف أطراف الحركة الوطنية وترك الأبواب واسعة لتحل محلها إطارات قيادية جديدة غير متشبعة بمنظومة الأفكار التي كانت في أساس الانتقال إلى فترة الكفاح المسلح ومؤطرة عن قصد أو عن غير قصد بالعناصر المدسوسة والمتأتية خاصة من صفوف الجيش الفرنسي وظلت تشرف على هيكلة ما يسمى بجيش الحدود الشرقية والغربية، وهو الجيش ذاته الذي سيعتمد لإنجاح الانقلاب الذي وقع في الثاني والعشرين جويلية، والذي أطاح بالمجلس الوطني للثورة وبالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. إن المدسوسين من الجيش الفرنسي ومن “بقايا الجزائريين الأهالي” الذين كانوا ينتظرون الأوامر للقيام بأدوارهم، في الداخل وفي الخارج، من أجل المساهمة في إفشال الأهداف التي سطرتها الثورة من أجل استرجاع الاستقلال الوطني، كل أولائك قد تمكنوا، في لحظة إغفاء، من الالتحاق بتونس أو بالمغرب الأقصى، ليس للإسهام في نشاط جبهة التحرير الوطني لكن، فقط، للقيام بكل ما يمكن أن يعرقل المجهود الثوري، وقد تم لهم ذلك بالفعل خاصة عندما نعرف أن معظم “صف الضباط والضباط” القادمين إلى الحدود الشرقية والغربية لم يحاولوا الدخول إلى أرض الوطن لمحاربة الجيوش الفرنسية بينما كانوا قد ساهموا في محاربة جيش التحرير وفي التنكيل بالجماهير الشعبية عندما كانوا في صفوف الجيش الفرنسي.
إن أغلبية صف الضباط والضباط المرسلين في مهمة هم الذين تدرجوا في سلم المسؤوليات، شيئا فشيئا، ليصبحوا، عند وقف إطلاق النار، على رأس المناصب القيادية، يتحكمون في أغلب وحدات ما كان يسمى بجيش الحدود الذي سيوظف لقمع وحدات جيش التحرير الوطني التي كانت تفتقر إلى الأسلحة والذخيرة، وبذلك توفر شروط نجاح الانقلاب العسكري الذي أطاح بالمؤسستين الشرعيتين في اليوم الثاني والعشرين جويلية سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف.
لا بد، هنا، من التوقف قليلا عند مكانة المؤسستين المذكورتين اللتين وقع عليهما الاعتداء. إن مؤتمر الصومام هو الذي قرر أن يكون “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” هو الهيئة العليا التي تقود الكفاح بجميع أنواعه، وأعضاؤه هم مجموع القيادات التي تسير مختلف الولايات، بالإضافة إلى أعضاء اتحادية الجزائريين في فرنسا. وظل المجلس، وعدد أعضائه أربعة وثلاثون، يسير الثورة ويتجدد سنويا وتتسع صلاحياته كلما اتسعت رقعة النشاط وتكاثرت أنواع المسؤوليات إلى أن كانت سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، فأعلن عن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لتكون أداة التنفيذ اليومي للسياسة العامة، قبل ذلك التاريخ كانت لجنة التنسيق والتنفيذ هي التي تقوم بتلك المهام.
لقد كان مؤتمر وادي الصومام محطة أساسية في تاريخ الثورة الجزائرية، هيكلها ووحد قواعدها انطلاقا من بيان أول نوفمبر، ثم وحد فيها الرتب العسكرية دون أن ينقص من منظومة أفكارها، لكن المناهضين بكل أنواعهم حاولوا وما زالوا يحاولون الاستنقاص من قيمة المؤتمر، لأن منطقة الأوراس، يومها، لم تتمكن من المشاركة في الأشغال بسبب استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد، ولأن مندوبية الخارج لم تشارك، أيضا، بحجة عدم توفير أسباب النقل إلى مكان الاجتماع، وفي الواقع فإن الحجتين مردودتان، لأن الاستشهاد في حكم الله، ولأن المسؤولين عن التنظيم لم يكن في إمكانهم توفير وسائل النقل للجميع، خاصة وأن مكان انعقاد المؤتمر قد تغيّر مرات عديدة.
كان أعضاء الحكومة المؤقتة كلهم مجاهدون ومعظمهم من القياديين الذين تمرسوا في داخل الوطن كقادة للكفاح المسلح ومتشبعين بمنظومة أفكار الأطراف الوطنية التي تنطلق من الإيمان بوجود الدولة الجزائرية المعتدى عليها، وبضرورة العمل بجميع الوسائل من أجل إعادة بنائها، كما ورد ذلك في بيان الفاتح من نوفمبر وليس كما هو مرسوم في النسخ المعلقة في الأماكن الرسمية اليوم، وإنني لأعني ما أقول لأن إعادة بناء الدولة يختلف كلية عن إقامتها.
في شهر ماي سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية دورته الأخيرة التي تميزت، عند الافتتاح، بتقديم الحكومة المؤقتة استقالتها كما هي العادة، لكن المجلس، في هذه المرة، قرر بالإجماع تجديد الثقة لها حتى تتمكن من مواصلة نشاطها الدولي خاصة. وفي أثناء الأشغال ظهرت نقاط الاختلاف في التسيير خاصة مع من كانوا يسمون بالتاريخيين الذين كانوا معتقلين لدى السلطات الفرنسية.
إن أولائك المعتقلين كانوا في الحقيقة معزولين عن الثورة، وأكثر من ذلك فإنهم لم يبرهنوا على قدرتهم على التحلي بالصفة النضالية التي تتميز أولا وقبل كل شيء بالتنازل عن الحقوق الذاتية في سبيل الحفاظ على الأخوة والمصلحة العامة. إن ذلك لم يكن في المعتقل، حيث كانوا يقضون معظم وقتهم في الصراعات الوهمية، ولم يتمكنوا من الخروج للمجلس الوطني، الذي هم فيه أعضاء كاملي الحقوق، ببرنامج عمل أو برؤية للمستقبل متكاملة وموحدة. خرجوا، فقط، يتنكر بعضهم لبعض وغير متفقين على التمسك بمبدأي القيادة الجماعية ورفض الزعامة الفردية، اللذين كانا في أساس بيان أول نوفمبر وسببا في تحقيق الانتصار.
نعم، إن الثورة قد تمكنت، بالفعل، من المضي قدما في إنجاز برامجها ولم تتعثر إلا قليلا لأنها ظلت، دائما، تحافظ على هذين المبدأين، لكن المشاركين الفاعلين في هذه الدورة الأخيرة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية قد تخلوا عنهما وراحوا يدعون إلى الزعامة والتكتل وهما نقيضان للعمل الثوري الحقيقي، ولقد استفحل الصراع حتى أدى إلى الخروج عن اللياقة وصار يهدد بالانفجار لولا اقتناع الجميع بتأجيل البت في الموضوعات الرئيسية إلى أن يعقد مؤتمر وطني في أرض الوطن بعد الإعلان عن استرجاع السيادة الوطنية.
لقد استفحل الصراع بين المعتقلين عندما تدخلت قيادة الأركان وبعثت موفدها يعرض الزعامة أولا على محمد بوضياف الذي رفض العرض ورأى فيه دعوة إلى التشتت، ثم انتقل الموفد بالعرض إلى أحمد بن بلة فاستحسنه قبل تبنيه وإظهار الرغبة في العمل على تجسيده ميدانيا. إن تصرف قيادة الأركان بهذه الكيفية يعتبر انقلابا عسكريا وعملا غير قانوني يهدف إلى كسر ظهر ثورة نوفمبر العظيمة. إن التاريخ، حتى يومنا هذا، لم يقتل الموضوع بحثا لأن الانقلابيين هم الذين سيطروا على الحكم وسدوا جميع السبل أمام الباحثين والمؤرخين الحقيقيين.

مقالات ذات صلة

إغلاق