مساهمات

الحج إلى بيت الله الحرام

فرض الله الحج على عباده إلى بيته الحرام، ورتّب على ذلك جزيل الأجر ووافر الإنعام، فمن حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، نقيًّا من الذنوب والآثام، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلاّ الجنة دار السلام.
قال الله : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. وقال النبي : “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً”.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الإسلام بُني على هذه الخمس، فلا يتم إسلام عبد حتى يحج، ولا يستقيم بنيان إسلامه حتى يحج. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: “لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له مال ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية. ما هم بمسلمين! ما هم بمسلمين!”.
ففريضة الحج ثابتةٌ بكتاب الله وبسنة رسول الله عز وجل وبإجماع المسلمين عليها إجماعًا قطعيًّا، فمن أنكر فريضة الحج فقد كفر، ومن أقر بها وتركها تهاونًا فهو على خطر؛ فإن الله تعالى قال بعد ذكره إيجابه على النّاس: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران : 97]..
إذا كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنّه من فرائض الإسلام وأركانه؟ كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق المال الكثير في ما تهواه نفسه؟
كيف يوفر نفسه عن التعب في الحج وهو يرهق نفسه في التعب في أمور دنياه؟
كيف يتثاقل عن فريضة الحج وهو لا يجب في العمر إلاّ مرةً واحدة؟! كيف يتراخى في تأخيره وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد؟!
إنّ المؤمن إذا أدى الحج والعمرة بعد بلوغه مرةً واحدة، فقد أسقط الفريضة عن نفسه وأكمل بذلك أركان إسلامه، ولم يجب عليه بعد ذلك حجٌ ولا عمرة، إلاّ أن ينذر الحج أو العمرة، فمن نذرهما وجب عليه الوفاء بما نذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من نذر أن يطيع الله فليطعه”.
وإنّ من تمام رحمة الله، ومن بالغ حكمته أن جعل للفرائض حدودًا وشروطًا لتنضبط الفرائض وتتحدد المسئولية، وجعل هذه الحدود والشروط في غاية المناسبة في الزمان والمكان والفاعل.
ومن هذه الفرائض الحج، فله حدودٌ وشروطٌ لا يجب على المسلم إلاّ بها، فمنها:
*البلوغ، فلا يجب الحج على من كان لم يبلغ، ويحصل البلوغ في الذكور والإيناث بعلامات معروفة فمن لم يبلغ فلا حج عليه ولو كان غنيًّا، لكن لو حج صح حجه تطوعًا وله أجره، فإذا بلغ أدى الفريضة لأنّ حجه قبل البلوغ لا يسقط به الفرض؛ لأنّه لم يفرض عليه بعدُ، فهو كما لو تصدق بمالٍ ينوي به الزكاة قبل أن يملك نصاب الزكاة. وعلى هذا فمن حج ومعه أبناؤه أو بناته الصغار، فإن حجوا معه كان له أجر ولهم ثواب الحج، وإن لم يحجوا فلا شيء عليه ولا عليهم.
*الاستطاعة: ومن شروط وجوب الحج أن يكون الإنسان مستطيعًا بماله وبدنه؛ لأنّ الله شرط ذلك للوجوب في قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]. فمن لم يكن مستطيعًا فلا حج عليه، فالاستطاعة بالمال أن يملك الإنسان ما يكفي لحجه زائدًا على حوائج بيته وما يحتاجه من نفقةٍ وكسوةٍ له ولعياله وأجرة سكن وقضاء ديونٍ حالّة.
فمن كان عنده مالٌ يحتاجه لما ذكر لم يجب عليه الحج، ومن كان عليه دينٌ حالّ لم يجب عليه الحج حتى يوفيه. والدَّين كل ما ثبت في ذمة الإنسان من قرضٍ وثمن مبيعٍ وأجرة وغيرها. فمن كان في ذمته درهمٌ واحدٌ حالٌّ فهو مدينٌ، ولا يجب عليه الحج حتى يبرأ منه بوفاء أو إسقاط؛ لأنّ قضاء الدين مهمٌّ جدًّا، حتى إنّ الرجل لو قتل في سبيل الله شهيدًا فإنّ الشهادة تكفر عنه كل شيء إلاّ الدين فإنّها لا تكفره! وحتى إنّ الرجل ليموت وعليه الدين فتعلق نفسه بدينه حتى يُقضى عنه، كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحتى إن الرجل يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فيسأل هل عليه دين؟ فإذا قالوا: عليه دينٌ لا وفاء له. تأخر ولم يصلي عليه، وقال: “صلوا على صاحبكم”.
ومن العجب أن بعض النّاس اليوم يتهاونون بالدين، فيستدينون أموالاً طائلة لا لضرورة بل ولا لحاجة أحيانًا، وهم يشاهدون الورثة إذا مات ميتهم وعليه دين لا يبالون به ولا يوفونه بسرعة، بل يتأخرون به، بل ربما يكون عليه ديونٌ كثيرة وله عقاراتٌ كثيرة، وينتظرون بهذه العقارات زيادة الثمن ولا يبالون بالميت الذي هو أولى بماله منهم!!
ولهذا لا يحل للوارث درهمٌ واحد حتى يوفِّي دين الميت عنه.
أما الدين المؤجَّل فإن كان موثقًا برهنٍ يكفيه، لم يسقط به وجوب الحج، فإذا كان على الإنسان دينٌ قد أرهن به طالبه ما يكفي الدين وبيده مالٌ يمكنه أن يحج والدين مؤجل، فإنّه يجب عليه الحج؛ لأنه قد استطاع إليه سبيلاً.
أمّا إذا كان الدين المؤجل غير موثقٍ برهنٍ يكفيه، فإنّ الحج لا يجب عليه حتى يبرأ من دينه.
*الاستطاعة بالبدن : أن يكون الإنسان قادرًا على الوصول بنفسه إلى البيت بدون مشقة، فإن كان لا يستطيع الوصول إلى البيت أو يستطيع الوصول بمشقةٍ شديدة كالمريض والكبير، فإنه في هذه الحال إذا كان مرضه لا يُرجى برؤه، يقيم من يحج ويعتمر عنه من أقاربه أو غيرهم، فإن مات قبل أن يوكّل حج عنه من ترك.
وإذا لم يكن للمرأة محرم فليس عليها حج؛ لأنّها لا تستطيع السبيل إلى الحج، فإنّ المرأة ممنوعةٌ شرعًا من السفر بدون محرم، والمحرم زوجها وكل من يحرم عليه نكاحها تحريمًا مؤبدًا كالأب والجد وإن علا، والابن وابن الابن وإن نزل، والأخ وابن الأخ وإن نزل، وابن الأخت وإن نزل، والعم والخال، سواءٌ كان ذلك من نسبٍ أو رضاع.
والمقصود من المحرم حفظ المرأة وصيانتها وهيبتها، فمن رأى من نفسه أنّه قد استكمل شروط وجوب الحج، فليبادر به ولا يتأخر؛ فإنّ أوامر الله ورسوله على الفور بدون تأخير، قال ابن القيم رحمه الله:
“من ترك الحج عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات”. فإنّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمته، ولا يُقبل منه. قال: “والحق أحق أن يتبع”.
والإنسان لا يدري ما يحصل في المستقبل، وقد يسر الله -ولله الحمد- في هذا الزمن، يسر لنا ما لم يسره لغيرنا من سهولة الوصول إلى البيت وأداء المناسك، فقابلوا هذه النعمة بشكرها، وأدوا فريضة الله عليكم قبل أن يأتي أحدكم الموت فيندم حين لا ينفع الموت، واسمعوا قول الله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [الزمر:54]، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55]، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56]، {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: 57]، {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 58]. ومن حج على الوجه الشرعي مخلصًا لله، متبعًا لرسول الله فقد تم حجه، فأدوا ما فرض الله عليكم من الحج، ولا تهملوا، ولا تتهاونوا، ولا تتكاسلوا؛ فإنّ الحج أحد أركان الإسلام العظيمة التي بُني عليها، والتي لا يتم الإسلام إلاّ بها.
أدوا ذلك مخلصين لله، متبعين لرسول الله، ومن كان منكم عنده أحدٌ من العمال وهو لم يحج حج الفريضة، فإنّه ينبغي له أن يسهل له الأمر، وأن يعينه على ذلك، وأن لا يمنعه من الحج؛ لأنّه يُؤجر على هذا، فإنّ النبي يقول: “من جهز غازيًا فقد غزا”.
بقلم الأستاذ /قسول جلول
إمام مسجد القدس حيدرة

مقالات ذات صلة

إغلاق