مساهمات

لا نبي في قومه

دعوة المصلح الاجتماعي إلى الوئام في غرداية

بقلم: د/ عبد المجيد رمضان

أستاذ العلوم السياسية – جامعة ورقلة

وكانت دعوته إلى توطيد العلاقات بين السكان للتقليل من حدة التوتر، عن طريق تغيير الاتجاهات ذات الجذور الانفعالية المتضمنة في تلك العلاقات من خلال منظمات شبابية مندمجة، وعبر إنشاء “جمعية للمحبة والتعاون” هدفها توجيه الجهود الفئوية إلى إطار جماعي يخدم الصالح العام للمجتمع كله، وحفظه من التشتت، وسعيها إلى إبراز بعض الأعمال الوفاقية النموذجية وتشجيع كل مبادرة في هذا المجال.

كما وجه نداءه إلى المسؤولين في القاعدة من أجل توخي العدالة في تسيير الأمور، وتمثيل رؤية سياسية موحدة، لا رؤى انتماءات تقليدية محدودة، وليجعلوا ولاية غرداية بلد المحبة والتعاون، لا بلد التناقضات والاستحالات.

نقد هدام .. واعتراف بعد الوفاة

تعرض الكاتب بعد نشر مؤلفه إلى هجمة شرسة وإلى سيل عارم من الانتقادات، وتم ترويج إشاعات وأكاذيب في أوساط الرأي العام نسبت إلى المؤلف لم ترد إطلاقا في الكتاب، صنعها أصحابها لوأد مشروع الوئام في المهد، وتعطيل أي فكرة تخدم الوفاق في غرداية، بعيدا عن الطرح الموضوعي والنقد العلمي لتلك الدراسة. وذلك رغم أن صاحب الكتاب قد أشار في مقدمته أن ما أورده من أفكار لا يعتبرها “قطعية صلبة، بل هي أفكار مرنة قابلة للنقد والمناقشة”.

وبعد سنتين من صدور الكتاب، وفي غياب أي مبادرات لإرساء دعائم الوفاق، اندلعت أحداث خطيرة أخرى بالقرارة. وفي سنة 1990، شهدت بريان مشادات وأعمال تخريب وعملية قتل أيضا ذهب ضحيتها مواطن بريء، وجُرح آخرون من الطرفين.

وحركت تلك الأحداث المأساوية المتعاقبة شجون الأستاذ مصطفى رمضان مجددا، ونشر مقالا صحفيا بيومية “الشعب” يبدي فيه حزنه العميق من تردي الوضعية الاجتماعية والعلاقات الإنسانية بوادي مزاب، مبرزا توصله إلى اقتناع أن “السبب الحقيقي للخلاف والتصدع بين الإباضية والمالكية في منطقة مزاب بالذات دون سواها من المناطق الأخرى للجزائر، مرده إلى قضية منافسة مستهجنة على مصالح مادية وسلطوية تحت غطاء مذهبي”، معتبرا أن الدين في واقع المنطقة مستغل كوسيلة لإذكاء الصراع على الدنيا.

وبقيت المنطقة مشهدا لقلاقل وأحداث مؤلمة ما تفتأ أن تتأجج مرة أخرى في سنوات 2004 بمدينة مليكة، و2008 في بريان. وكانت الأحداث الأخيرة منذ نوفمبر 2013 إلى جويلية 2015، الأخطر إطلاقا حيث صاحبتها عمليات قتل رهيبة وتعديات على الممتلكات حرقا ونهبا وإتلافا، سواء في السكنات أو المحلات التجارية أو المستثمرات الفلاحية أو في المعالم الأثرية.

وعاش الأستاذ مصطفى رمضان بقية عمره إلى وفاته متحسرا على الأوضاع التي هزت مشاعره، محاولا دون أن تخفت عزيمته، المساهمة في إيجاد سبل دائمة للتقارب والتعايش بين سكان غرداية، بعيدا عن الحلول الأمنية وحدها القائمة الآن.

وقد شيع جنازته الآلاف من المواطنين في جنازة مهيبة لا تماثلها في الحجم إلا جنائز كبار المشايخ والعلماء، وهو تعبير عن ذلك التقدير الشعبي العام لمواقفه ومبادئه التي لم يحد عنها، واعترافا صريحا  – وإن جاء متأخرا – لمساهماته وجهوده النبيلة في إرساء الوئام والسلم بين السكان، في انتظار من يتبنى أفكاره ويجسدها واقعا.

———————————

نبذة عن حياته

مصطفى بن إبراهيم رمضان من مواليد 1947، نشأ في أسرة ثورية مناضلة من أب مجاهد سجين بربروس. خريج المدرسة العليا للتجارة بالجزائر العاصمة، تلقى تعليمه الابتدائي والقرآني بمسقط رأسه غرداية ثم بالقرارة، والمتوسط والثانوي بقسنطينة. اشتغل فترة في مؤسسة سوناطراك، وعمل في الصحافة بيومية الشعب، وكان أول مراسل من الجزائر لهيئة الإذاعة البريطانية. انتقل إلى التعليم الثانوي، وانتخب عضوا بالمجلس الشعبي الولائي. كان واعظا مرشدا وعضوا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. أنشأ دارا للنشر، وله عدة مؤلفات. توفي يوم الجمعة التاسع من رمضان 1439 هـ الموافق 25 ماي 2018.

الحلقة الأخيرة

مقالات ذات صلة

إغلاق