مساهمات

المعرفة التاريخية.. المنطلقات والرهانات

الدكتور قادة جليد

ولما كان التاريخ تجربة إنسانية حقيقية مستمرة في وعينا وسلوكنا بشكل أو بآخر، فإن التاريخ من هذه الناحية يبقى حاضرا دائما في وعي الشعوب وذاكرة الأمم، فالشعوب التاريخية هي الشعوب التي لها وعي بتاريخها، أما الشعوب اللاتاريخية فهي التي تفتقد إلى هذا الوعي، ومن هنا اعتبر التاريخ مقياس تقدم أو تخلف الشعوب والأمم «فكلما ارتفع الإنسان في مراتب الإنسانية ارتقت نظرته التاريخية وغزر فعله التاريخي، وكذلك كلما كان وعيه للماضي أصفى ومجابهته له أصدق وأعمق اغتنى كيانه الإنساني وغدا أقدر على الإنتاج والإبداع » .

وفي خضم التطور العام للمسيرة البشرية وما لقيته من نكسات وإخفاقات، وفي ظل الأزمات الداخلية والخارجية التي تعاني منها معظم دول العالم، ازداد الباحثون والمؤرخون تيقنا واقتناعا بأنه «ينبغي استشارة الماضي للتنبؤ بالمستقبل، لأن أحداث العالم الحالي تجد دائما مثيلها الصحيح في الماضي، ولأن تلك الأحداث أنجزت من قبل أناس حركتهم ولا تزال تحركهم نفس الأهواء، فمن الضروري أن تكون لها نفس النتائج ».

ومن هنا يمكن القول أن الشعوب يمكنها أن تتعلم من تاريخها ومن تاريخ الشعوب الأخرى، لأن كل مجتمع بطبيعته يتطلع إلى الكمال من خلال تجاوز النقائص والشوائب، فالإنسان كفرد أو كمجتمع بما يتمتع به من قيم نسبية، فهو يستمد حركته دائما من المطلق، ولكن «المطلق في التاريخ ليس شيئا في الماضي الذي منه نبدأ، وهو ليس شيئا في الزمن الراهن، لأن كل تفكير راهن نسبي بالضرورة، إنه شيء مازال غير مكتمل بعد، وفي طور التكون شيء في المستقبل الذي نتجه نحوه لا يبدأ في اتخاذ شكله إلا بمقدار ما نتجه نحوه وعلى ضوئه، ومع تقدمنا إلى الأمام نستطيع أن نصوغ تدريجيا تفسيرنا للماضي » .

إن اهتمام الأمم بالتاريخ يرجع في نظرنا إلى قناعة مبدئية وهي أننا لا يمكن أن نتقدم إلى الأمام دون أن نلتفت إلى الوراء لنتعرف على الآثار التي خلفناها وراءنا، والتي لا تزال تعمل فينا بصورة أو بأخرى، لأن وحدات التاريخ (الماضي -الحاضر -المستقبل) وحدة عضوية ووجودية غير قابلة للإنفصال، ولأن التاريخ خبرة وتجربة فإنه يظل يعلمنا على الدوام وينمي وعينا وذاكرتنا الفردية والجماعية بقيم التحضر والتمدن ومواجهة المستقبل من دون عقدة أو خوف، وهذا كله في إطار تجربة الحياة المعقدة لأنه «من مجرى حياتك تتعلم كيف تحيا، ولكن أن تراقب أعمال الناس في الماضي، فهذا يعني أنك تضيف أعمارا من الماضي إلى عمرك، وأنك تحيا أكثر من حياة واحدة »، وهذا هو المعنى الأكبر الذي يعلمنا إياه درس التاريخ.

 

من التاريخ إلى فلسفة التاريخ: (حدود التواصل والتجاوز)

إذا كان التاريخ في عمومه يعني معرفة الماضي البشري من خلال دراسة الأحداث الإنسانية المختلفة، فإن فلسفة التاريخ تحاول أن تستكشف المنطق العام الذي يحكم سير هذه الأحداث بواسطة ربط الأسباب بالنتائج.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقض في العبارة، أي (فلسفة التاريخ)، وهذا من خلال ربط الفلسفة التي تبحث فيما هو ثابت مع التاريخ الذي يبحث فيما هو متغير، وهنا نجد أنفسنا في مواجهة الكثير من الأسئلة، ومن بينها: «أليست الفلسفة تستهدف الكشف عن الحقيقة، أعني أنها تريد أن تفهم وأن تدرك ماهو حق، أي ما هو ثابت وخالد وأبدي في ذاته ولذاته، ومن المستحيل عليه أن يتغير، في حين أن التاريخ لا يحدثنا إلا عن موضوعات متغيرة، فكيف يمكن إذن أن يلتقي التاريخ وموضوعه المتغير و الفلسفة وموضوعها الحق الخالد على صعيد واحد؟».

ولكن هذا التعارض المبدئي في العبارة سرعان ما نكتشف أنه تعارض شكلي فقط، لأن التاريخ وإن كان يتناول أحداثا جزئية منفردة ومحددة في الزمان والمكان، إلا أنه في الأصل ومن الناحية الفلسفية والأنطولوجية يبقى وحدة متكاملة وصيرورة متدفقة، لأن أحداث التاريخ وإن كانت تختلف في الزمان والمكان إلاّ أنه يبقى هناك منطق عام يحكمها وينتظم مسارها ومسيرها، وهذا المنطق لا يمكننا الكشف عنه إلا إذا انتقلنا من الأجزاء إلى الكل، أي من المتغير إلى الثابت، كما أن دراسة التاريخ ومن وجهة نظر منهجية تبقى عديمة الجدوى ومن دون فائدة ما لم تكن هناك نظرية فلسفية توجهها على الصعيد المنهجي والمعرفي، لأن هذا كفيل للمؤرخ أو للباحث بأن يتقدم في البحث، وأن تكون نتائجه منطقية ومقبولة. وفي هذا الإطار يقول، جوزف هورس: «التاريخ أبعد ما يكون عن أن يحل محل الفلسفة وأن يفرض على الناس حكمة مستخلصة من الوقائع لأن الأمر على العكس، فالفلسفة هي التي تنسق التاريخ وتبنيه وتعطيه اللحمة التي يحتاجها، وبلا فلسفة نستطيع أن ننكر وجود التاريخ».

وفي نفس الاتجاه، يرى الدكتور ناصر الدين سعيدوني «أن المفاهيم الفلسفية ضرورية لفهم سير التاريخ وتفسير أحداثه، فالتاريخ بدون فلسفة لا يتوفر على الرؤية الشاملة والمفهوم المنطقي والتفسير العقلي، كما أن الفلسفة بلا بعد تاريخي تفتقد المدى الزمني الذي بدونه تنتفي الرؤية ويبطل التفاعل، وهذا ما يجعلنا نقر بأنه لا منطق في التاريخ بدون فلسفة».

إن هذا التحليل المنطقي في العلاقة بين الفلسفة والتاريخ ضروري جدا، وهذا لإبراز العلاقة الجدلية بينهما، وكذلك درجة التفاعل التي تجعل كل طرف يؤثر على الطرف الآخر.

يتبع

مقالات ذات صلة

إغلاق