مساهمات

الجزائر ترافع للعيش معا بسلام

حين تنقلب المفاهيم ويصبح الصالحون جراثيم في المدن التي أدمنت الشر، والخير دخيل على الأزقة التي ألفت قانون الغاب، حين يصبح المقسطون أغبياء في أعين الظالمين والمجتهدون خونة في أعين الطالحين، حين تحيد المجتمعات عن الفطرة ويصبح التطهر من صفات أهل اليمين شرف لا يناله إلا أهل الشمال، حين نكون في زمن تصبح فيه المسلمات حلما وتغيير المبادئ واقعا، فالنور يشع من السواد والبياض يظلم في أعين تجار الدماء والأنفس والأرواح، يظهر من العدم رجال راسخون في فهم معان الحياة، وتقديس التسامح والطيبة والتعايش، لا لضعف أو لقلة حيلة أو عدم قدرة، بل لأنهم مؤمنون أن الحياة رسالة والشعوب أمانة والقوة لا تكون في الظلم والاعتداء على المستضعفين بل في صون كرامة الجميع بالتعاون والتآزر وخلق تقاليد للعيش بسلام .

حين تبادر الجزائر لاقتراح يوم للعيش معا بسلام على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقره الجمعية العامة في 16 ماي من كل سنة، فالأمر ليس مجرد إقتراح ليسجل بإسم الجزائر أو فكرة عابرة مرت بذهن مسؤول في بلاد المليون ونص مليون شهيد، بل لأن الجزائر راسخة في هذا منذ القدم، رسوخ مفهوم الدفاع عن حرية الشعوب في تقرير مصيرها، وشعارنا دوما كان لا بديل عن الحوار، من أجل معالجة القضايا وإن كانت مصيرية، وأن العنف والقوة والعسكرة ليست غاية ولا وسيلة، بل اضطرار لا يكون إلا في حالات خاصة واستثنائية، ربما يظن البعض أن الجزائر قد أسست لهذا الطرح منذ الاستقلال، وينسى الكثيرون أن المؤسس الأول للدولة الجزائر الأمير عبد القادر كان رمزا للتعايش والتسامح، كيف لا وهو الذي كان يحمي حجيج المسيح في أرض الشام، والجزائر على عهد مؤسسها باقية .

إننا في الجزائر لا نرافع فقط للمفاهيم ونسوقها، بل نطبق قبل أن نتحدث، وما تجربة المصالحة الوطنية إلا دليل على قوة مفهوم السلام، ورسوخ معتقد التعايش، وها هي الأمم تعتبر بنا وتقتدي بنهجنا وتسير على خطانا، في درب التعايش بسلام، لتقتبس من تجربتنا في الخروج من العشرية الحمراء نهجا لإعادة بناء دول هدمها جنون العظمة والافراط في استعمال القوة، الجزائر التي عاشت أكثر من عشر سنوات من الدمار والموت والخوف والرهبة، أصبحت اليوم حمامة سلام في الكثير من النزاعات والصراعات الدينية والطائفية والعرقية، ترافع بما امتلكت من تجربة لتقول للمتصارعين والمتحاربين والمتخاصمين لا بديل عن الحوار، وكل من كان يعتقد أن الجزائر على خطأ سلم واستسلم وأصبح واعيا بأن لا بديل عن نهج الجزائر لا بديل عن التعايش بسلام .

القضية اليوم ليست مجرد تجربة مر بها الشعب الجزائري، بل أسلوب حياة انعكس على المواطن البسيط قبل المسؤول، والذي آمن أن الحوار أفقيا كان أو عموديا هو السبيل إلى حل المشاكل والخلافات، فتحولت المصالحة من مشروع إلى ثقافة حياة، وغدا التعايش بسلام واقعا لا ينكره إلا جاحد أو حاقد، نعمة تحسد عليها الجزائر شعبا وحكومة، ومع ذلك فإننا نعمل بكل وسعنا من أجل نشرها في العالم حتى يعم الأمن ربوع العالم الذي أصبح فيه سفك الدماء تقليدا لدى تجار الظلام، فالمجد للراسخين على المبادئ، للمدافعين عن القيم والثوابت، للذين آمنوا بالسلم ويسعون لترسيخه في كل ناد، المجد للجزائر .

الدكتور عمر هارون

جامعة المدية
[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق