مساهمات

الحاجة إلى أستاذ جديد لمجتمع جديد ولأجيال حديثة

 

إن اللغة قيمة جوهرية في حياة الأمة، فهي التي تحمل الأفكار وتنقل المفاهيم بأصولها ومؤثراتها، وخاصة عندما يتصرف بها الإنسان بدقة وبعمق، وعندما نبحث ونغوص في الوطن العربي، نجد أن اللغة نشأت في إفريقيا وانتقلت إلى الجزيرة العربية،
ونظرية أخرى تقول بأن اللغة السامية نشأت وتطورت وانطلقت من الجزيرة العربية.

وفي المدة الأخيرة، قالت المديرة العامة لليونسكو «إيرينا بوكوفا»: “إن اللغة العربية حلقة وصل بين الثقافات ووسيلة حقيقية لإثراء المعارف والأفكار والتصورات”.
كل بلدان العالم نجحت وتقدمت بلغتها مثل الصين واليابان وكوريا، وهذا ما تؤكده الأمم المتحدة.
إن العرب قديما تمثلوا بتعلمهم اللغة العربية الراقية، والتي كان يقصدها الأوروبيون في الأندلس، ومثقفو إسبانيا يعرفونها حق المعرفة.
إن المرحلة الوحيدة الناجحة في تاريخ إسبانيا هي عند وجود العرب بها.
اللغة تهذب وترشد، وتنير العقول، ترسخ في القلوب محبة الحياة،
اللغة حلّة من المعارف والقراءة وسياحة.. العقل بين آثار الفكر الإنساني، وهي نور يجلو صدى القلوب، فالإعلام يلعب دورا كبيرا في تطوير اللغة العربية والحفاظ عليها وعلى دورها في الهوية، الذين يحرمون ولا يكشفون عنها ويعدون اعتبارها والإكثار من كتابة شعارات دكاكين المتاجر، والتي هي كلها مزودة بكتاب اللغة الأجنبية.
ظاهرة قديمة قبيحة متفشية اليوم أكثر من الماضي، وهي أكثر شيوعا من كل ما اشتق من الإعداد أو كتابة على الجدران أو اللافتات وأشكال الحروف باللغة (ف).
فالجهل والجبن والجفاء، أو الجدب والجرد والجفاف، والحقيقة أنه في هذا وإنما فيه غرابة، فاللغة العربية هي أكثر انتشارا في العالم يتحدث بها أكثر من 422 مليون نسمة، وقد اعتمدت في منظمة الأمم المتحدة، وجعل لها 18 أكتوبر من كل سنة يوما عالميا، فأصبحت هي الترسانة التي تحمي الأمة وتحفظ هويتها وكيانها ووجودها، وتحميها من الضياع والذوبان.
إن لغتنا العربية هي سيدة اللغات، وهي أجمل وأرقى وأعظم لغة في العالم، فهي تتخذ المواهب وتصنع الإنسان، وكنز يرسو على شاطئ المعرفة مخبولا يستطيع إخراجه إلا بالعلم، وخاصة عندما يتعلم الإنسان الفصاحة، تنشر أنوار تزوده بثروة فكرية لا تقاس بمقياس، ولا تكال بمكيال،
فاللغة لها طعم عذب طيب شهي تزخر بألوان المعارف والعلوم، إنها تفيض على المرء من أنوار الجمال ما تعجز عنه مخازن.
اللغة تجعل الإنسان كالزهرة الناضرة تبعث الإنس في النفوس، والانشراح في الصدور، إنها الجدار المنيع الذي يقف حائلا بينك وبين الجهل.
اللغة تكسب الفرد مجدا أبديا، ومثل ذلك العلماء الذي قضوا منذ زمن بعيد، ولا تزال أسماؤهم براقة تتردد على كل لسان وهذا بفضل العلم، تجعل المرء بصيرا حكيما، عالما عارفا قويا مدركا متبصرا بأمور الحياة، ويعلو شأنها ويتكامل بنيانها،
فهي تتميز بالإيجاز في الدقة والروعة، فهي هوية ولسان الأمة العربية، وهي لغة الأدب والعلم، وهي لغة الحياة بكل معانيها،
وهي اللغة التي شاء الله عزّ وجل أن تكون لغة كتابه الكريم، وقد اصطفاها بخطاب للبشرية جمعاء على لسان نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
فهي بحر زاخر من الألفاظ والتراكيب، فالاهتمام بتدريس اللغة العربية لغة القرآن الكريم لغة العروبة في إحيائها أحياء للدين والروح الوطنية، ومن دونها لا يكون درس ولا فهم ولا تعلم، لهذا كان على كل مربي أن يعنى بهذه اللغة.
وللغة العربية كل ما للغات الحية من مميزات، وتزيد أنها لغة الدين، ولهذا ضمنت لنفسها البقاء والنماء.
التجديد والابتكار اللغوي شرط لابد منه
إننا اليوم في حاجة إلى أستاذ جديد، لمجتمع جديد، ولأجيال حديثة ناهضة، تنمي في المجتمع صفات شخصية وأنماطا سلوكية راقية، ويمتلكون الميل إلى التجديد والتعبير ويبتعدون عن الأعمال الروتينية، مثابرون لا يخضعون بسهولة، لديهم عزيمة وتصميم على إيجاد الحلول لكل المشكلات والتنقيب والبحث والابتكار والإبداع، ليتذوقوا ما فيها من جمال وروعة وتأثير، ويتدبروا ما فيها من عظات وأحكام ودلائل،
فالأمة التي تهتم بلغتها فهي أمة عظيمة، الأمة تتقدم بلغتها، وبمبلغ درجات الكمال في أناقتها وأقوالها ومعاملاتها، فطريقة تنظيم شعارات مدنها وشوارعها وبهاء متاحفها فتصبح مقصدا للزوار والسائحين،
فاللغة الفرنسية لم تكن يوما لغة ثقافة لنا، لأننا في المغرب العربي لا نتكلم بها كالأصالة، وليست لغتنا الوطنية، إذ هي شعار لغة العدو الغازي لوطننا.
فمن العار والعيب، فهي لا تزال هذه اللغة في دارنا، في عقولنا، في نفوسنا ومن جاء بها غازيا، ومن الإهانة والخذلان أن تبقى عالقة بيننا مكرمة مقدمة في مدارسنا وجامعاتنا مستعملة في شؤوننا الوطنية وبقيت رائجة في منازلنا عند الأسر.
من العيب أن تكون لغتنا عربية اللسان إسلامية الروح والدين، وقد مضى أكثر من نصف قرن وهي مازالت في كل مكان في شوارعها وفي متاجر وفي كل مكان.
أين السياسيون الذين يدافعون عن اللغة العربية، غير أن سياستهم مبنية على الأموال، فهذا لا يتفق مع أسلوبها المحكم.
لا بد من تعلم اللغات الأجنبية، وأن نضع الغاية منها لاقتناص الحكمة وقضاء المصالح الضرورية، وإذا كانت الغاية كما يفعل الكثير التشبه بالأجانب والتخلق بأخلاقهم فتعلمها ينقلب إلى انحراف لا يرضاه ديننا الحنيف، فالأمة التي تحترم نفسها وتعتز بلغتها وبروائع خزائن العلم تستمد غذائها بالفكر وحقل ذوق وموهبة.
لقد قاوم الشعب الجزائري التغريب والفرنسية بمدارس جمعية العلماء الحرة في كامل أنحاء الوطن، فأنشأت مدارس للعربية في المدن والقرى وكانت بسيطة، ولكنها ما لبثت أن تطورت رغم محاربة الاستعمار، وتحولت من ضيق إلى سعة، ومن قلة إلى كثرة، وأقبل الشباب عليها يعمرها ويؤيدها بما له حتى تشمل جميع مراحل التعليم،
فاللغة العربية عريقة ليس لها ضرة في الجزائر، وهي ممتدة الجذور مع الماضي مستندة الأواخي مع الحاضر، ولهذا السلاح سلاح العلم انطلق العرب من ظلام دامس، وانتشر العلم والمعرفة فصاروا كالكواكب وحركاتها، وبأقدام ثابتة ونفوس هادئة مطمئنة تعرف حقها وتؤدي واجبها أقبل العرب على ما وجدوا من معارف وبلغوا من آثار تلك الحضارة العظيمة في جميع الميادين.ذاقوا حلاوة العلم، ولم يعودوا يرضون بغير العلم.

 

عبد القادر حمداوي باحث في التربية

مقالات ذات صلة

إغلاق