مساهمات

قراءة في قصيدة – أين ليلاي؟ لمحمد العيد آل خليفة

ليس غريبا أن يكون من الصعب بمكان فصل المفاهيم الإسلامية عن مفاهيم الثقافة العربية أو مفردات من اللغة نفسها، وليس سرا القول إن التجارب السابقة والقائمة للمجتمعات الغربية والحصار الثقافي الأوروبي الذي ظل يبذل جهدا لتعطيل انتشار الثقافة الإسلامية وحصار إشعاعاتها، عوامل باتت تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن أمل عودة الحضارة العربية الإسلامية التي ازدهرت وأثرت كثيرا في الماضي أو انتظار شروقها من جديد ليس إلا حلما إيديولوجيا بعيدا عن الواقع.. ولا شك أن ذلك الحصار هو الذي جعل الإنسان العربي يرقب صورة ثقافية لنفسه أمام غيره، وهي صورة نمطية تمظهرت فيها أنساق المكننة لتلك لأيديولوجيات أومفاهيم الغربيين، فأبصر نفسه مكملا لعالم ما، وليس ركنا أصيلا فيه أو في غيره.

وطالما إننا نعيش عصر العولمة وعهد بنوك المعلومات التي تعتمد توثيق البيانات والإحصاءات، فيمكننا أن ندرك أن حاجتنا اليوم تكمن في تدقيق المفاهيم لفك الاشتباك في العقل المسلم الذي أراه منفتحا ومهيئا لاستقبال كل ما يمكن أن يدخل في دقائق مفردات الثقافة الإسلامية، واعتبر ذلك بمثابة دعوة للعقل المسلم لكي يطلع على ثقافات جديدة ويقارن بينها وبين ثقافة الإسلام، كي يعمق حضوره تحريضا على الحياة والشغف المترف بالأحاسيس المصقولة بماءات الحرية.

إن الأزمة التي نعاني منها اليوم، ليست في افتقاد المنهج “مصدر المعرفة” فهو موجود ومحصن منذ 14 قرانا، لكن المشكلة في افتقاد وسائل الفهم الصحيحة، وأدوات التوصيل، وكيفية التعامل مع “القرآن والسنة”. إن معاينة بسيطة للنصوص الدينية المقدسة تمكننا من أن نتبين أن ديننا الحنيف يعتبر الإنسان حرا لا يسمح باستعباده، ولا يسمح له باستعباد غيره، أو التعدي على حدوده، غير أن واقعنا الثقافي أصبح يعج بأخطاء يقترفها المتعلمون في فروع الآداب والسياسة، وتحديدا فيما يتعلق بمقاييس التربية والعقيدة والسلوك الاجتماعي، فتراهم عبر كتاباتهم، وخطبهم، وأطروحاتهم في الحياة يتخذون قدسية الدين، وقداسة الأخلاق السخية، وحرارة التقوى والمحبة الكريمة لدى أفراد المجتمع غطاء لفرض سطوة الأحادية وعنجهية منطق الأنانية، تلك صورة تدفعنا إلى التذكير بأن طبيعة الإنسان التكوينية ترفض الفساد على نحو عفوي، فأي إنسان لا يستسيغ الفساد ولا يتعامل معه ولا يحبذه بصورة آلية، تبعا للكره الطبيعي الذي يكنه الإنسان بطبعه للفساد، وعوامله.

وأمام هذه الصورة يطرح تساؤل كبير: من أين يأتي الفساد إذن؟، ويظل بلا جواب. ومما لا شك فيه أيضا ألا وجود لمشكلة من دون مسبب، فالسلوكيات والأساليب المذمومة نتجت بمسببات قد تكون ظاهرة أو خافية، والجهل بالدين أو تجاهل الحقوق أو القيم، عوامل تؤدي إلى حدوث الفتن. وكل من كان يملك جرأة أو غيرة باطلة غير منضبطة، فإنه سيتجرأ بجهله على خوض الفتنة، والفتنة تحدث الفرقة، وتحدث انعدام الجماعة، وتسبب الخروج عن إطار الشرع والشريعة والعرف إلى فيافي الرذيلة والضلال، فينعدم الأمن، وتحصل القلاقل، وتتعدد أوجه الفساد. ومما لا شك فيه أن الإنسان عاجز عن إدراك وجه الحقيقة في جميع أموره، وما الاختلاف القائم بين البشر إلا لاختلاف مداركهم وتباين أفهامهم، لذلك اقتضت حكمة الله إنزال الشرائع لتبصير الناس ” تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا “، وجعل العلم أساس كل عبادة لأنه يحرر العقول من القيود والأوهام، ويقضي على الكساد والفساد في البطحاء.

إن معالجة المشاكل التي تواجه البعض فيما يتعلق بمقاييس التربية والعقيدة والسلوك الاجتماعي كما أسلفنا لا ينبغي أن تتوقف عند حدود مرحلة فهم النص المنطوق أو المكتوب، وإنما ينبغي التركيز كذلك على مستوى اللغة التي يتكلمون بها. إننا لا نعني باللغة أصوات الحروف المنطوقة بالعربي أو غيره، بمقدار ما نعني به المبادئ العامة للفكر الصحيح، فالإنسان إذا واجه مشكله اعتمد على التفكير في حلها انطلاقا من المعلومات التي يستند عليها كبداية في حل المشكلات، وهي ما يعرف بالمقدمات، وأساس توحيد المرامات.. ولبيان ذلك أورد القصتين التاليتين:

1 – أثناء الغزو الأمريكي الهمجي للعراق عام 1991م، كان السذج العرب يعتقدون أنها عملية تحرير العراق من ظلم نظام لكن أحد أوباش البنتاغون قال “ربحنا في حربنا مع العراق – قيل له ما ربحكم قال – خراب المجتمع”، لكن العرب لم يفهموا كلامه، ومازالوا لم يفهموا إلى يومنا هذا.

2 – هذا المفكر الجزائري مالك بن نبي يقول في مذكراته عن ابن باديس: “كانت نظراتي تتبعه بعطف وحنان كلما مر أمام مقهى بن يمينة، فهذا الرجل الأنيق المرفه ذو المنبت الصنهاجي كان يحسن معاملة الناس، لم أكن قد جالسته في حديث، ولكنه كان في نظري لا يمثل الإصلاح المجتمعي، ولم أعترف بخطئي حول هذه النقطة إلا بعد ربع قرن حين تبين لي أن السبب يكمن في أحكام اجتماعية مسبقة، في تنشئة غير كافية في الروح الإسلامي عندي، وأحكامي المسبقة أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة زرعت لا شعوريا في نفسي الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة …”، هكذا يقر مالك بضعف تنشئته، ويعلن أن الإصلاح الذي يمثله ابن باديس هو القمين بتحرير الجزائر.. هذا الإقرار مبني على إيمانه التام بأن جدلية المخاطب والمخاطب في القرآن الكريم، رسالة الإسلام هي جدلية من طرف واحد الآمر فيها مطلق الحرية، والمأمور مطلق العبودية من دون ترك أي هامش للمناورة.

لا نعني بهذا قبولا لا مشروط لكل ما نسمع، بل هي الدعوة إلى الهروب بالنفس إلى الحرية مما يشينها، لاعتقادنا أن مهمة الساسة والخطباء والكتاب والمبدعين الأدباء وأصحاب الفكر هي تشكيل وجدان الأمة وتوجيه الرأي العام نحو الأصلح، أي المصلحة العليا للوطن.

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}  (الرعد: 11)، فالنص المنطوق يعكس ترسانة ضخمة من المفاهيم وتناصا إنسانيا وحضاريا هائلا مع قيم إنسانية وحضارية كثيرة، وهي ليست مجرد إغواء فكري، بل تؤدي إلى إنتاج الكثير والكثير…

لم أكن أعتزم الخوض في هذه المسألة الدسمة، لكن جمال التعليق الذي عقّب به الإمام عبد الحميد بابن باديس على قصيدة  ” أين ليلاي” بجريدة الشهاب سبتمبر1938م، دفعني لأشارك غيري في قراءة شيء من التعليق والقصيدة معا يقول الإمام رحمه الله “.. من هي ليلى شاعرنا يا ترى؟، ليست له قوس ولكن له مروحة، فهل يعني هو الآخر مروحته؟. إن محمد العيد الذي يشعر شعور الشعب، ويتخيل خيال الشعب، لا تشغله قوس، ولا مروحة، ولمن لا تفتنه- وهو البلبل الغريد في قفص إلا الحرية، فهل يوافق على هذا بعض من ينقصهم شيء من السياسة ليفهموا؟” ، سؤال مهم يطرحه الإمام.

وبدوري، وبعد أن تجاوز انفعالي بمضمون القصيدة طاقتي على الحمل، وشد انتباهي الألق الفكري للشاعر ودوره السياسي يومها أتساءل، هل هناك بين دعاتنا ومثقفينا من يمتلك حيزا كافيا ومساحة من الحرية تؤهله لعب دور فاعل وحقيقي في فهم مقاصد غيره؟، ولكيلا أتهم بالتعميم لابد أن أشيد ببعض الرموز التي تعمل بجد ولم تسلم من قمع المغرضين، وهاهي القصيدة كما وردت في ديوان الشاعر ص41.

 

أين ليلاي

 

أيـن “لـيلاي” أيـنها ** حيل بيني وبـيـنها

هل قضت دَيْنَ مَن ** فـي الـمحبين دَيْنَها

أصْلتِ القـلبَ نارها ** وأذاقتْه حَيْنَهــــــا

مذ تعـرّفتُ سـرَّها ** وتعـشّقتُ زيـنَهــــــا

فتعـلقْتُ بـالطـيـــو ** ف، اللـواتـي حكـيـنَهـا

وتعـلّلْتُ بالمني ** فتبـيـنـتُ مَيْنهـــــــــا

مالـ “لـيلايَ” لم تصل ** مُهَجـاتٍ فدَيْنهــــــا

وقـلـوبًا عـلِقْنَهــــا ** وعـيـونًا بكـيـنهــــا

إيـهِ يا عـيـنيَ اذرفي ** لن تـرَيْ بعـدُ عـيـنها

 

السمــــــاوات والأرا ** ضـي جـميعًا نفـيـنها

 

كم تسـاءلـتُ سالكًا ** أنْهُجًا ما حـوَيْنهــــــا

لم يُجبْني سوَى الصدَى** أين”ليلاي” أينــــــها؟

قد يتعجب البعض من العودة إلى هذه القصيدة في ذكراها الثمانين؟، وقد يتساءل البعض الآخر هل يمكن لفكرة أن تعمر السنين؟. أعتقد أن بلاد الإسلام قاطبة تمر في الوقت الراهن بظروف انحدار واستعباد لا تحسد عليها، وهل يوجد مستعبد وحر في الوقت نفسه؟!، ومع ذلك إليك بعض التوضيح أيها القارئ الكريم، لكن بعدما ما نراه من المقدمات:

إن الغرب ينظر إلى نفسه كأنه معقل الحرية ومنبع الليبرالية وموطن الفكر والحضارة التي تملأ جنباته، وينظر إلى غيره من المجتمعات بنظرة المتعالي عليها المحتقر لها، والمُستحل لثرواتها وأراضيها وعرض شعوبها.. أو هكذا حل الغزو العقيدي والاختراق الثقافي لمجتمعاتنا العربية وممتلكاتها الحضارية والثقافية، يرون أن الحضارة والفكر والحرية على غير نمطهم وبغير طريقتهم غير مسموح لوجودها، وكأن لا حرية ولا فكر ولا حضارة إلا كما يعتقدون. هي صور الواقع جعلتني أحس أنني فقدت شيئا عزيزا علي، تداعت إلى ذهني صور أيام تعيسة من العصر الذي انقضى، وترك في نفسي بقايا عتاب مرير، وانتابتني مشاعر مختلطة تداعت إلى ذهني صور بشر في المعترك تخيلت المعركة أمامي ماثلة، وعندما وقفت على شرفة منزلي وبيدي ديوان محمد العيد آل خليفة اتخذت موقف قراءة قصيدة – أين ليلاي؟ – التي لم اطلع عليها من قبل بعدما أعيتني محاولة فهم من أساءوا إساءة كبيرة إلى الفكر، فزاغت بفعلهم التراكيب والمعاني الجميلة وتحولت عن مجراها القيم.

إن من يتعمق في قراءة القصيدة – أين ليلاي؟، سيلحظ بيسر أن نظرة الشاب محمد العيد المختلفة إلى العالم، ومحاولة استكشاف خفاياه ببساطته وبراءته التي لا يمتلكهما سواه، بساطة يراها من هم في مثل عمره لخطبة، ويعتقد البالغون أن محمد لم يمر بمثل هذه المواقف بالفعل، وأن خياله الخصب هو الذي يدفعه دائما إلى ابتداع صور شيقة، بصدقيتها وحميميتها، وبساطتها. القصيدة أنشدها شاعرنا عام 1938م حين كان منتدبا للتعليم بمدرسة جمعية الشبيبة الإسلامية بالعاصمة فمدير لها، وكانت الحياة تحت الاحتلال الفرنسي الذي اجتث من النفوس كل بذور الأمل في الحياة السعيدة، وسد كل آفاق الثقة في الناس والأمل في المستقبل. حياة كانت تبدو لشاعرنا كابوسا جاثما على الصدور، فضاق بهذا الوضع، وقد تمكنت من نفسه مشاعر قاتمة للوضع العام، ولواقعه الشخصي وهو في مطلع شبابه 35 عاما.

يعتقد ضعاف النفوس أن لشاعرنا معشوقة، لكن وصف المرأة في الشعر العربي عادة إلا في استثناءات نادرة، يرتكز على وصف مظاهر الجسد الجميل للمرأة، فيسهب في رسْم أعضائِها رسما تجسيديا، وإبراز مفاتنها {من الذراعين، والساقين، والثديين إلى النحر، والكشح والعجيزة والشعر والجيد والعين…والعقب}، والنص الذي بين أيدينا خال من هذه الصفات، هل هو التخلص من العاطفة أو الهروب من الواقع والخروج على العرف؟، لا، لا أعتقد ذلك، فالرجل كما قال أمامنا؛ لا تفتنه- وهو البلبل الغريد في قفص- إلا الحرية. وسؤالي الأخير، هل بين ساستنا من يفهم مقاصد شعرائنا ودعاتنا؟، وهل في الدعاة والرواة والشعراء من يحسن بإحساس الجماهير؟، فأي لغة يتكلم الجميع ليكون الرأي الصواب؟.

محمد بوكحيل

مقالات ذات صلة

إغلاق