مساهمات

إسقاط الطائرة F16 وما بعدها

عبد اللطيف شاكور

كثيرون هم من لم يفهموا قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، لكن متأملي التاريخ الحديث بعد سقوط الدولة العثمانية، يتضح لهم جليا أن صراع القوة بين الشرق الغرب لازال قائما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، هذا الصراع الكلاسيكي بين الروس والأمريكيين اتسع ليصبح صراعا بين الحلف الشرقي المنبثق (روسيا، الصين، إيران وتركيا)، وحلفاء الغرب التاريخيين (الولايات المتحدة، فرنسا، إنجلترا والسعودية)، أما الدول الأخرى المساهمة في هذا الصراع، فهي إما لها دور مؤقت أو حليفة لأحد أعضاء الحليفين.

الأمس، كان يوما تاريخيا سيبقى راسخا في أذهان المراقبين والمتصارعين من أهل الساسة والمصالح، فقد قرّر حلف الشرق أن يبرق برسالة واضحة، مفادها أن أخرجوا من الساحة السورية، فقد أرهقتم قواتنا بعد السنين السبع من القتال، القيادة السورية تعبت بعد كل الخسائر التي تكبدتها بسبب الحرب الدائرة منذ 2011، حرب إعلامية واستنزافية لم يصمد فيها إلا المؤمنون بتحالفاتهم، وكما سبق وأردفت في مقالات سابقة، سوريا تعتبر آخر قلاع الشرق المُحصِنة للإيرانيين، والكابحة لجماح الغرب الهائج الحالم بسقوط الإمبراطورية الروسية وكبح جماح المارد الصيني.

تصريحات القيادة الأمريكية من فينة لأخرى بوجود تهديد حقيقي للسلطة العظمى للبيت الأبيض، اتضحت بعد الإفصاح عن الإستراتيجية الأمريكية النووية الجديدة التي تعتبر روسيا والصين عدوتين بكل وضوح، ناهيك عن سعي الإدارة الأمريكية إلى التراجع عن الاتفاق النووي الإيراني الذي اعتبرته في السابق إنجازا قوميا يحسب للرئيس السابق باراك أوباما. إتفاق بذلت فيه دول أوروبا جهودا جبارة لإخراجه من ردهات المفاوضات إلى أرض الواقع، لكن الحاكم الأمريكي يرى فيه اليوم انتصارا مذلا للإيرانيين، وبالتالي لحلفائهم، رغم أن القيادة الإيرانية لم تسع لاسترجاع أموالها المجمدة بالخارج منذ ثلاثة عقود، والتي فاقت المئة وخمسين مليار دولار، وفضّلت أن تهديها للغرب لقاء تجديد أساطيلها الجوية وتطوير صناعتها المدنية، بمنح امتيازات كبيرة لكل المستثمرين الأوروبيين الراغبين في جني أرباح المستهلك الإيراني.

كل هذه المتغيرات، أعطت الضوء الأخضر للقيادة السورية من قبل حلفائها، بالرد بكل حزم على كل الإنتهاكات الصهيونية للأراضي السورية. انتهاكات كانت دائما في مسعى دعم الجماعات المسلحة، وخاصة جبهة النصرة، التي ظلت لبضع سنين جارة للكيان الصهيوني على حدود هضبة الجولان، وكلنا تابع كيف كانت السلطات الصهيونية تجلي جرحى الجبهة، وتتكلف بمصاريف علاجهم علانية وبكل فخر. هذه الأحداث الميدانية، واكبتها أبواق الإعلام الخليجي، الداعية إلى جعل الجار الإيراني على رأس قائمة أعداء الأمة، بدل الصديق الصهيوني الذي أصبحت الكثير من الأنظمة العربية تجاهر بتبادل الزيارات الرسمية معه، كما ولي عهد آل سعود، ولي عهد البحرين، والرئيس المصري الذي يصنف رأس بيادق الخليج، والطفل المدلل للبيت الأبيض.

البيت الأبيض وبعد الخطأ الفادح بدعم استقلال الأكراد استنادا إلى إملاءات صهيونية وخليجية، يجني اليوم ثمار مغالطاته، فالزعيم التركي الذي كان بالأمس مساندا رسميا لإسقاط النظام السوري، دخل الساحة السورية براً لمحاربة مقاتلي “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) دون المساس بأي جندي نظامي، وهو دلالة على بداية صفحة جديدة في العلاقة السورية-التركية، التي ظلت على المحك لسبع سنين. القرار التركي بالانضمام إلى الحلف الشرقي لم يكن قرارا سهلا، فتراكم الأحداث والمضايقات الغربية في الكثير من القضايا دفعت بالقيادة التركية إلى إعادة حساباتها، أحداث كان أولها وأهمها محاولة الإنقلاب الفاشلة التي سكت خلالها كل الغرب في انتظار نتيجة الإنقلاب، لكن حلف الشرق كان سباقا في التنديد، تلاها إعلان استقلال كردستان العراق، دولة الورق هاته، التي تلقت دعما صهيونيا وأمريكية وسعوديا لم ترق للأتراك الذين وجدوا ضالتهم في الموقف الروسي والإيراني والسوري، فالقيادة السورية إلى حد اليوم، لم تصدر قرارا واضحا بعدم رضاها عن التدخل التركي تجاه الأكراد الذين بذلوا كل عزيز لدحر “داعش” من الشمال السوري، و لم يدخلوا في مناوشات مع النظام السوري في عز أزمته نهاية 2015، فكان آخر الأحداث المهمة، استرجاع جثمان الطيار الروسي الذي فقد حياته نتيجة إسقاط طائرته الأسبوع المنصرم، فحسب الكريملين، ما كان للروس استرجاع جثمان الطيار لولا جهود الأتراك وفصائلهم المسلحة على الساحة السورية، لكن المفاجأة الكبرى بعد إسقاط F16 الصهيونية فوق الأراضي المحتلة، لم يكن الإفصاح عن تقنية الإعتراض ولا سرعة الرد السوري ونباهة مقاتليه، بل طلب الصهاينة التدخل العاجل للحيلولة دون دخول حزب الله على خط المواجهة، حسب موقع RT الروسية وبعض المواقع الإلكترونية نقلا عن الإعلام الصهيوني، تلاه بيان حركة حماس، للتعبير عن جاهزيتها لمواجهة أي عدوان صهيوني على قطاع غزة، معبرة عن تضامنها مع الجيش السوري في مواجهة العدوان الصهيوني من دون الحديث عن الموقف المندد للنظام الإيراني بالعدوان، وتأكيد الكريملين على أحقية الجيش السوري في الدفاع عن سيادة أجوائه الملاحية. كل هذه المواقف والأحداث الآنية كان لها صدى فعالا في أروقة البيت الأبيض، فالمفهوم الجديد لقواعد اللعبة تغير، وأي مواجهة قادمة لن يستفرد فيها الصهاينة بجبهة معينة، بل سيكون عليهم الإستعداد لمواجهة ثلاثة جبهات على أقل تقدير، أخطرها الجبهة الشمالية، تليها الجنوبية، فجبهة الجولان السوري المحتل.

مقالات ذات صلة

إغلاق