مساهمات

كفاءة البنوك الإسلامية في تحقيق التنمية في ظل العولمة المالية

لماذا الاهتمام لاعتماد المالية الإسلامية بالجزائر

د‌. حدو علي- جامعة الجزائر3

[email protected]

لقد رأينا -في العدد السابق- أنه من بين المخاطر التي تهدد الجزائر جراء التحرير المالي، هو تعثر مسار التنمية، خاصة في ظل استقلالية بنك الجزائر، وتقلص أدوات السياسة النقدية الموجهة للتمويل، بسبب تقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، والتي تعدّ من بين بنود الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات المالية، ومن هنا يمكن النظر إلى البنوك الإسلامية على أنها حل لهذا الأمر-مع ضرورة توفير المتطلبات المذكورة في الأعداد اللاحقة-، ويرجع السبب لعدة نقاط، نسرد أهمها كالتالي.

نجد على رأسها أسس الشريعة الإسلامية المحفزة على الادخار في البنوك الإسلامية، فمن أهم القواعد التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي الدعوة إلى الادخار الاستثماري. ومن بين الأسس التي تستند إليها البنوك الإسلامية في تحقيق وظيفتها الادخارية نجد تحريم الربا، تحريم الاكتناز وتحريم التبذير، ووجوب حفظ المال. وعلى العموم يتم تجميع المدخرات من خلال قنوات عديدة، كالودائع تحت الطلب (الودائع الجارية)، والودائع الادخارية (حسابات التوفير)، والودائع الاستثمارية، والصكوك، ولكل واحدة منها أنواع فرعية، مما يفتح المجال أمام البنوك الإسلامية لتنويع الخدمات أمام أصحاب الفائض لتشجيعهم على إيداع أموالهم.

كما أن تعدد صيغ المساهمة في تمويل القطاع الفلاحي في الجزائر، تعد ميزة في البنوك الاسلامية، حيث أن هناك صيغ متاحة لهذا الغرض، فيمكن  للبنك الدخول في مشاركة الفلاح في مشروعه، سواء بتقاسم تكاليف المشروع سوية (عقد مشاركة)، أو بالخبرة المهنية فقط منه، والتمويل من البنك (عقد مضاربة)، أو للمشاركة في مشروع زراعي (عقد مزارعة)، أو في تمويل مشروع الاستفادة من الأشجار أو في التشجير (المساقاة)، أو في تعجيل ثمن السلعة الفلاحية من البنك إلى الفلاح، مقابل التسليم المؤجل من الفلاح إلى البنك (السلم)، على أن يعيد بيعها هذا الأخير بسعر أعلى، ويتم تحديد أحد الأساليب الأنسب للمقترض من جهة، وللبنك الإسلامي من جهة أخرى، خاصة في ظل الصعوبات التي قد يجدها هذا الأخير في البيئة الاستثمارية.

أضف إلى ذلك من الكفاءات أن للبنك الإسلامي صيغ تمويل متعددة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعتبر أكبر ركيزة لأي اقتصاد، كما أنها أكبر جهة تستقطب التوظيف، ناهيك عن كونها مستقبل البلد في الخروج من التبعية الريعية، لكن هذا القطاع-المؤسسات الصغيرة والمتوسطة- يعرف عدة مشاكل وصعوبات، أهمها مشكلة توفير التمويل لمثل هذه المؤسسات التي لا تتوفر لديها ضمانات مالية كافية، تقدمها كرهونات مقابل التمويل، وأمام هذه الصعوبات يطرح العمل البنكي الإسلامي بدائل تمويلية متعددة، حيث يمكن له أن يقدم صيغ المشاركة بأنواعها، فهذا النوع من التمويل يعتبر كاف دون تكلفة جزافية مثقلة للهيكل المالي، وإنما يتم اقتطاع العائد من الربح المحقق، مما يؤدي لحرص الشريكين على بذل الجهود أكثر لتحقيق أكبر عائد ممكن، كما أنه يسمح بالحصول على تمويل بسهولة في الفترات اللاحقة، من دون أن تثقل كاهل المقترض بالضمانات المقدمة، بسبب أن البنك مشارك في المؤسسة، ويتيح للبنك إدارة سيولته بالتوفيق بين تدفقات المشروع والتزاماته الخاصة مستقبلا، وأسلوبي التمويل بالمرابحة والإيجار بأنواعه العادي والمنتهي بالتمليك، الذين يساعدان المؤسسات على الحصول على عوامل الإنتاج حاليا، مقابل أقساط مستقبلية ثابتة دون أي مخاطر للتغيرات المستقبلية، بما يبعث على لاستقرار المالي للمؤسسات، خاصة لكون أتعاب هذه الصيغ تعتبر ثابتة وليست متغيرة كما هي في القروض العادية.

ويمكن للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تمول عن طريق السلم سواء نقدا أو عينيا، بالحصول على الآلات والمواد الأولية، أوالحصول على خدمات مختلفة تساعده على عملية الإنتاج، مقابل كمية من المنتجات للبائع (البنك) مستقبلا، وهكذا فهو أسلوب تمويل مناسب للمشروع لأنه يضمن الحصول على التمويل وعلى تسويق منتجاته، وفق التقنية التسويقية المعروفة “البيع قبل الإنتاج”. أضف إلى أن التمويل عن طريق عقد الإستصناع يفتح مجالات واسعة أمام البنوك الإسلامية لتمويل الحاجات العامة والمصالح الكبرى للمجتمع، وبما يفيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويستخدم عقد الإستصناع في الصناعات المتطورة والمهمة جدا في الحياة المعاصرة، كاستصناع الطائرات، والقطارات، والسفن، والعقارات، ومختلف الآلات التي تصنع في المصانع الكبرى أوالمعامل اليدوية. وعموما يستخدم في مختلف الصناعات ما دام يمكن ضبطها بالمقاييس والمواصفات المتنوعة، ومن تلك الصناعات الصناعة الغذائية (تعليب وتجميد المنتجات الطبيعية وغيرها).

وتفضي هذه الصيغ إلى أثرين مهمين على الاقتصاد، فهي تحفز جانب العرض، ومنه يساهم في دعم الكفاءة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، ودفع الحركة التنموية، كما تحفز جانب الطلب، حيث يساهم بذلك في تنشيط حركة البيع والشراء في السوق المحلي، ورفع مستوى الطلب الكلي، والمساهمة في دوران النشاط الاقتصادي.

كما هناك مسؤولية اتجاه البنوك الإسلامية في دعم التنمية المستدامة، في الوقت الذي قد تهرب البنوك العادية عن أداء دورها الاجتماعي والتنموي في ظل العولمة المالية، لما تعتبر أن تكلفة سترد مردوديتها بعد مدة، وما هو ليس في صالح البنوك، في حين أن البنوك الاسلامية –إذا ما وفرنا لها المتطلبات الآنية الذكر-، فتهتم بتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع بمختلف الطرائق المشروعة، إلى جانب الاقتصادي الذي أسلفنا ذكره، حيث نجد أن لديها أدوات ليست موجودة لدى البنوك العادية، وهو ما يعزّز قدرتها على حمل المسؤولية الاجتماعية وعدم الهروب منها، مثلا نجد صناديق الزكاة التي تمول عن طريق موارد متعددة، أهمها الزكاة المفروضة شرعا على رأس مال البنك وأرباحه، وكذلك أموال الزكاة المتأتية من أصحاب حسابات الاستثمار، والذين يفوضون البنك في إخراجها من أرصدتهم نيابة عنهم، وكذا أموال الزكاة التي يتلقاها من غير عملائه، والذين يدفعونها إلى البنك الإسلامي ويفوضونه في توزيعها، هذا إلى جانب الصدقات والتبرعات التي يتلقاها من الأفراد والمنظمات، لتقوم البنوك الإسلامية بتوجيه هذه الموارد إلى قنواتها الشرعية في صورة نقدية أو عينية لمختلف الجهات والمستحقين لها، وهي الأصناف الثمانية الواردة في قوله تعالى:” إِنَّمَا اَلصَّدَقَاتْ لِلْفُقَرَاءْ، وَاَلمَسَاكِينِ، وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَفَةِ قُلُوبِهِمْ، وَفِي اَلرِّقَابِ، وَالْغَارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ اَلسَبِيلْ، فَرِيضَةٌ مِّنَ اللهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”، فضلا عن اهتمام البنوك الإسلامية بالقروض الحسنة الإنتاجية والاجتماعية، والمساهمة في المشاريع الاجتماعية التي لا تهدف إلى تحقيق الربح، على الرغم من كونها تقدم للعملاء على نطاق ضيق، لخلوها من العوائد المفروضة عليها، بحكم أن هذا النوع من القرض هو عبارة عن:” عقد بين طرفين، أحدهما المقرض والثاني المقترض، يتم بمقتضاه دفع مال مملوك للمقرض إلى المقترض، على أن يقوم هذا الأخير برده أو رد مثله إلى المقرض في الزمان والمكان المتفق عليهما”.

وعليه، يعتبر نشاط البنوك الإسلامية نشاطا مناسبا لمتطلبات الفرد والمجتمع في الزمان والمكان، حيث ينطلق من نظام شامل يهدف إلى غرس القـيم الإسلامية فـي المجتمع، في مختلف المعاملات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي الأخير هناك كفاءات للبنوك الاسلامية ليست موجودة في البنوك العادية إذا تم دعمها بالمتطلبات التي سوف نسردها لاحقا، فإنها ستكون أداة فعالة أمام تهديدات العولمة المالية، خاصة المتطلب الأساسي والمتمثل في الهيئات الشرعية بشقيها الداخلي والخارجي، والتي سوف تمثل البديل لضعف رقابة وإشراف بنك الجزائر على الكتلة النقدية، حيث إذا تذكرنا أن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو تحقيق مصالح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، بالمحافظة على مختلف جوانب حياة الإنسان، والتي جمعها الفقهاء في الجوانب الخمسة الأساسية الآتية: الدين، النفس، العقل، النسل، المال، وتحت كل جانب تندرج شبكة من الفروع والوسائل، وهذه تعتبر نواة المقصد العام للشريعة، فنجد أن الهيئات الشرعية تعدّ أداة لتوجيه الاستثمارات إلى مسارها الذي يعود بتحقيق المقاصد السابقة، وبذلك تهتم البنوك الإسلامية بالتنمية الاجتماعية بالدرجة الأولى على أن لا تُفَرِطَ في التنمية الاقتصادية، كما أن وعي الهيئات الشرعية وحرصها على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، والعمل على عدم الإضرار بالاقتصاد الوطني، هو ما يسهل من عمليات توجيه بنك الجزائر للبنوك الإسلامية، خاصة مع الوقت الذي يكون فيه مجردا من أدواته المباشرة التي تعتبر مقيدة في ظل سياسات العولمة المالية.

مقالات ذات صلة

إغلاق