مساهمات

مسافر على عجل

لوجه الله

يسين بوغازي

على عجل أعد حقيبته، وودع أسرته وخرج مسرعا، للتو جاءه نبأ أبيه الذي ينازع سكرات موته بمستشفى بأقصى الغرب الجزائري، أبيه الذي لن تمهله الحياة إلا بعض ساعات، ولعل التزاماته المهنية هنا في أقصى الشرق الجزائري جعلته يتأهب للسفر على عجل ؟

المشكلة أنه يعلم ومنذ وقت بمرض أبيه، لكن مرضه كان أسرع من خططه للسفر إليه، وهو العامل الممزق بين مدينته مسقط رأسه ومدينته هذه مسقط عمله ؟ على كل حال، عليه بالالتحاق في أقصى وقت، فعليه أن يكون مساء في المستشفى، على عجل، مرت الأشياء سريعا، ولم يأبه إلا ومسؤول محطة المسافرين يخبره أن أقرب موعد لحافلة تنطلق إلى الغرب العاشرة مساء، إنه البرنامج المنشور على حائط بلاستيكي لإدارة المحطة، ولأن مواعيد انطلاق الحافلات عادة تتأخر ساعة أو ساعتين هذا في أفضل الأحوال، فعليه بالصبر ؟

محطة الحافلات التي وصلها بسيارة فرودار كلفته ألف دينار، والعاشرة مساء لا تناسبه أبدا، ترك محطة الحافلات غاضبا واتجه إلى محطة سيارات الأجرة قلقا مرتابا، وهنالك بدأ بحثه عن السيارات المتجهة إلى الغرب، فكانت واحدة ركنت بعيدا، أخبره سائقها أنه لن يتجه مباشرة إلى مدينته، وقال: إلى قسنطينة أولا، ومنها يمكنك أخذ سيارة أجرة أخرى، فلا أظن أنك ستجد سيارة تأخذك مباشرة إلى ما تريد في هذه المدينة.

عجلته أضحت حزنا، وزاد قلقه، مأساة أبيه وعائلته التي لم تتوقف عن السؤال بالهاتف، متى تصل ؟ قرر البحث على وسيلة سفر أخرى، وهو يعلم أن أربع ساعات على الأقل زمن وصوله في أفضل الظروف.

القلق والحزن والنرفزة، واقع النقل الذي اكتشفه متعب جدا، فلم يكن يتصور أن أموره معقدة إلى هذه الدرجة لأنه لاحقا عندما حاول كراء سيارة طلب منه مليون ونصف سنتيم، يا الله، ثلث أجرته الشهرية ؟

ترك محطة الحافلات ومحطة سيارات الأجرة، كما لا يمكنه الاعتماد على محطة القطار لأن السفر بالقطار أضحى من النسيان.

عجلته يبدو أنها تحطمت أمام محطات النقل ووسائله ؟ وأن رباطة جأشه لم تحل دون الخيبة التي حاصرته، فحين لا تجد كيف تسافر وفق ما تريد، ليس لك الا الحزن ملاذا، حزن السفر، وحزن أبيه المودع، وحزن حافلة العاشرة مساء التي امتطاها مضطرا، فلا خيار لأجله، ولأجل روح أبيه في سكرات الموت.

مقالات ذات صلة

إغلاق