مساهمات

كي لا يُحَوِّل الرديئون الأمازيغية إلى قنبلة

محمد بوعزارة

ربما كنتُ من بين القلائل الذين دافعوا عن ترقية اللغة الأمازيغية لتكون لها مكانتها في هذا الوطن ولينزع عنها الغطاء السياسي الذي يتدثر به دعاة الردة والانفصاليون.

لقد صوَّتُ رغم أنني لا أحسن اللسان الأمازيغي بقناعة عندما كنت عضوًا في البرلمان لتصبح الأمازيغية لغة وطنية إلى جانب اللغة العربية، وتبنيت بل أنني كنت مَنْ صاغ بيان اللائحة السياسية للمؤتمر الأخير لحزب جبهة التحرير الوطني لتكون لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية رغم معارضة البعض وهروب البعض، بل إنني كنتُ مَنْ قرأ ذلك البيان الذي دوت له القاعة البيضاوية بالتصفيق، حيث وقف الخمسة آلاف مندوب في المؤتمر مصفقين لمحتوى اللائحة وذاب الممتنعون أو الرافضون مثلما وقف المشاركون في المؤتمر أكثر من عشر مرات مصفقين لمحتوى تلك اللائحة في عمومها، والتي جعلتني لا أنام الليل كله لتخرج بذلك النص، وحيث أشاد بمحتواها على الملأ الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني.

كما كنتُ مقررًا للائحة السياسية لدورة اللجنة المركزية للحزب حيث صغتُ مع بعض الزملاء نص تلك اللائحة التي أكدتْ ما تبناه المؤتمر قبل ذلك.

وقد كنا نهدف من وراء كل هذا إلى نزع فتيل نزعة جهوية مقيتة يحاول البعض إشعال نيرانها بشأن مسألة الهوية، وهي قضية تعود إلى أربعينيات القرون الماضية غذتها ظروف استعمارية وذهنيات من هنا وهناك.

وقد كان الهدف الذي جعل قيادة حزب جبهة التحرير الوطني تبادر إلى ذلك القرار القاضي بتبني طرح ترسيم اللغة الأمازيغية قبل أن يصدر الدستور المعدل في 2016 بمبادرة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ويجعل من اللغة الأمازيغية لغة رسمية بعد أن اعتبرت قبل ذلك لغة وطنية هو نزع الغطاء السياسي عن هذا المُكوِّن اللغوي من طرف دعاة النزعة الانفصالية البربرية المدعومين من قوى خارجية وبعض المتشددين الذين يحاولون أن يجعلوا من مشكل الأمازيغية سبيلا للتسلق السياسي الرديء على حساب وحدة الأمة ومستقبلها وتماسكها.

واليوم أشعر أن هناك انحرافات خطيرة تلوح في الأفق بشأن هذا المكون اللغوي بسبب الاختلافات التي يعرفها أهل الاختصاص والتي لا أريد أن أقحم فيها نفسي، لأن أهل جرجرة وتيكجدة والأهقار والتاسيلي والأوراس وبوطالب وفلاوسن والأطلس وزكار وكل الجبال والشعاب جنوبا وشمالا، شرقا وغربا ووسطا يعرفون أكثر من غيرهم المسالك التي لا يجب أن تترك للبوعريفو ..أو الذين يضيعون لأنهم لا يتحكمون في البوصلة حتى لو سلمت لهم.

البعض يريد أن تنحصر هذه اللغة في لسان واحد بدل الثلاثة عشر لسانا التي تتكون منها الأمازيغية، والبعض الآخر يريد أن تكون الحروف بعيدة عن انتماء الأمة وماضيها لتكتب بحروف لاتينية في محاولة لفصل ماضي هذه الأمة وحاضرها عن مستقبلها، والبعض يريد من الأمازيغية أن تتحوّل إلى مجرد لعبة سياسية يتموقع فيها “الغاشي” السياسي المهوس بالزعامات وحب الكرسي، والبعض الآخر يغرس أنفه في الرمل ويتفرج لمن ستكون الغلبة.

أتذكر أنه في ظل تفجر الأحداث التي عاشتها الجزائر في 2001 حيث عمت الإضرابات خصوصا في منطقة القبائل راح بعض السياسيين يحرضون الأبناء على توسيع الإضراب ليشمل كامل الوطن، وكان بعض هؤلاء منتخبين من الشعب جمعتنا وإياهم قبة البرلمان وجمعتنا بعدد منهم ربما صداقات وزمالة دراسة رغم اختلاف الرؤى بيننا وبينهم.

كان بعض هؤلاء يدعون للإضراب نهارا،  ويحرضون أبناء الشعب على ذلك، ولكنهم يحثون أبناءهم وبناتهم ليلا للتوجه إلى مختلف جهات الوطن لمواصلة الدراسة بعيدا عن أعين مواطنيهم، وربما يكون بعضهم سعى لإرسال أبنائه إلى خارج الوطن للدراسة وتودد إلى هذا المسؤول أو ذاك ليمنحه منحة دراسية لابنه أو ابنته.

وأتذكر أن إحدى القنوات الأجنبية دعتني وقتها إلى حوار مباشر لشرح أبعاد تلك الأحداث، حيث استشرتُ رئيس الحكومة والأمين العام للحزب آنذاك السيد علي بن فليس للرد على من كانوا يُحركون الشارع القبائلي باسم حركة العروش التي كان يتزعمها عبريكا. وقد وجدتُ أن السيد بن فليس كان متخوفا من الحوار، وحاول أن يثنيني عن الحديث إلى تلك القنوات.

وأتذكر أنني قلت له: إنني لا أفضل أن أمسك العصا من الوسط والبلد يكاد يغرق في الفوضى، فقد تمنح تلك القناة الفرصة إلى  شخص متشدد ليمرر الرسالة التي أراد والتي من شأنها أن تسهم في تأزيم الوضع وتفجير المشاعر التي كانت مهيجة أصلا.

وكان مما قلته لتلك القناة أن الأمور مفتعلة وأن من يحركون المنطقة شبان لا يمثلون القيمة الحقيقية والرمزية التي كان رجال العروش يحملونها في السابق من حيث قيمتهم المعنوية والفكرية والروحية والدينية والاجتماعية وسط الشعب سواء في منطقة القبائل أو أية جهة أخرى من الوطن، وقلت بأن يمثل العرش هو قيمة كبيرة تحمل كل صفات الإجماع وليس مجرد شاب يدفعه الطموح أو الطمع أو مدفوعا من طرف قوى تستخدمه لخدمة أغراض ومطالب فردية أو سياسية أو التموقع في لوبيات كيفما كان شكلها وتوجهها.

وقد فوجئت أن علي بن فليس راح يتصل بي في اليوم الموالي وهو يشكرني على الأفكار والطروحات التي قدمتها في تلك القناة.

وبودي أن أسأل الآن بعيدا عن أية خلفيات بعد مرور 13 عاما على تلك الأحداث:  أين هم زعماء حركة العروش، وأين اختفوا، هل غيبتهم المناصب أم غيبتهم المكاسب.

ودون أن أدخل في التفاصيل التي أعرف والتي لا أعرف أو تلك التي لا أريد أن أعرف، بودي أن يدرك المواطن البسيط أن تجار السياسة قادرون على التلون واستبدال الشعارات التي تليق لكل مرحلة وخاصة أن عام 2019 قد بدأ العد التنازلي له لدى سماسرة السياسة.

وما ألاحظه اليوم ويراه المواطن البسيط غير المهووس بالسياسة ــ وقد تم نزع الغطاء عن مسألة الهوية بترسيم الأمازيغية لغة وطنية ثم رسمية ــ هو خروج بعض الرديئين والرديئات السياسيين بتصريحات تصب الزيت على النار وتحاول أن تتجاوز أهل العلم والمعرفة والأكاديميين الذين يجب أن توكل لهم مهمة ترقية هذه اللغة سواء من حيث التدريس أو من حيث إحلالها في مختلف المرافق والمؤسسات بعيدا عن التشنج واللغط السياسي الردئ.

إنني أناشد هؤلاء الباحثين عن الشعبوية من أشباه السياسيين والسياسيات أن يكفوا ألسنتهم وأن يتركوا الأمر لأهل الاختصاص من لغويين وأكادميين وباحثين وعلماء ليقدموا رؤيتهم العلمية والواقعية فيما يتعلق بمسألة تدريس هذه اللغة بكل مكوناتها حتى تكون لغة جامعة موحدة ومفيدة لأبنائنا، لا قنبلة يستخدمها الرديئون والرديئات ويتقيؤن بها علينا بنفايات يرفضها أبناء هذا الشعب عربهم وأمازيغهم. أخرسوا ألسنة الرديئين السياسيين الذين يريدون تحويل هذا الإسمنت الجامع إلى قنبلة.

لا تخرسوهم بالسب أو الشتم ولا بالقذف ولا بأي لون من التشنج أو التطرف، لأنه ليس من شيمنا كمسلمين، أخرسوهم فقط بالاحتقار واللامبالاة والتجاهل، فهم ليسوا جديرين بالرد.

وقد قلت لإحدى المواطنات التي علقت على عمود نشرته على صفحتي في الفيسبوك بشأن الأمازيغية والذي فهمتِ من خلاله هذه المواطنة البسيطة أنني لا أشعر بالانتماء للمكون الأمازيغي: هل قرأتِ بتمعن مضمون تحليلي للمسألة بما يوحي لك أنني لا أشعر بالانتماء، أنا يا سيدتي أشعر بفخر واعتزاز أنني عربي، شاوي، قبائلي، إباضي، تارقي، شلحي، أمازيغي بكل مكونات الهوية الأمازيغية في كامل الوطن، أحمل في جيناتي كل الجينات الجزائرية الأصيلة عربية وأمازيغية، لا يمكن لي أن أتنكر لأحفادي من القبائل ومن الشاوية ومن العرب، فهم جزء مني، وربما أحبهم أكثر من أولادي.

دعوكم من عقدة الشك والريبة، ودعونا لنكون جزائريين، عربا كنا أو أمازيغ.

مقالات ذات صلة

إغلاق