مساهمات

قصة المرأة التي أنقذت شابا من عين الحجل من ورطة؟!

بقلم: جمال نصر الله

شاب يافع كان على شفا حفرة من أن يقبع لأزيد من سنتين خلف القضبان بسبب عجزه عن دفع تكاليف النفقة لزوجته الأولى، والتي مضى على تطليقها أزيد من سنة … قارب سنه سن الأربعين، وحينما كان مهددا باستدعاءات المحضر القضائي، كتب رسالة إلى وكيل الجمهورية يلتمس فيها إمكانية مساعدته لأنه لا يملك دخلا مستقرا، بل هو بطال ويملك شهادة احتياج، وبالتالي فهو عاجز عن دفع المبلغ الإجمالي دفعة واحدة، هذا الترجي لم يرحمه من مخالب القانون، لذلك أستدعي للمحاكمة … القاضي امتثل للقانون وطبّقه بحذافيره (سنتان سجنا نافذا) بحجة الإهمال العائلي وعدم تسديد حقوق الزوجة؟!. حدث كل هذا في المحكمة الإبتدائية، وحين استأنف المعني قضيته هذه أمام المجلس، كان يُمنّي النفس أن يصادف قاضيا رحيما، وحينما وقف على المنصة بعد أن نودي على اسمه، لم يكن يدرك بأن سيدة كانت تجلس من خلفه، وتستمع لكل المشاكل على مختلف مشاربها، وأبرزها تلك المتعلقة بحالات الطلاق التي ضربت رقما قياسيا خلال السنتين الأخيرتين..هذه السيدة العجوزالتي توفي زوجها أثناء الحرب العالمية الثانية كان لها بيت عريق في عاصمة الولاية، وعقار عريض تستأجره كمحلات لعدد من الخواص، ويمكن تصنيفها ضمن الطبقة البرجوازية منذ ستينات القرن الماضي…قلنا هي أحست وهي تستمع لمأساة هذا الشاب بأن الوضع لا يبعث على الخير أبدا، من خلال الكم الهائل من المشاكل العويصة التي أفسدت يوميات الملايين من الناس، لذلك فقد تغلبت عليها مشاعر العاطفة وهي تستمع لبكائية هذا الشاب أمام قاضي الجلسة، بل إلتمست بين كلماته صدق محنته، ولم تطرح قط أسئلة العامة من الناس (لماذا أدخلت نفسك يابني فيما لا يحمد عقباه ..ولماذا أصلا تنخرط في مشروع الزواج وأنت شاب بطال…على الرغم من أنك تقول بأن مستواك جامعي). إنتهت أطوار هذه الحادثة بأن التقت هذه السيدة بالشاب بُعيّد أن أعلن عن أن الأحكام سيتم الإستماع إليها بعد المداولة…تجرأت وحادثت الشاب في الرواق بعد أن طرحت عليه عدة أسئلة اختبرته فيها هي تشاهد جميع الوثائق والقرائن أمامها. وبعد أن تأكدت سلمته صكا بنكيا به ثمن دفع النفقة كاملا، هذا السلوك الإنساني اعتبره الشاب هبة من السماء، وأن الأقدار كانت في صالحه، بعد أن قضي ليلة أمس، مرهقا يفكر في مصيره المجهول، شجي الخاطر، منكسر الوجدان، تعيس الحال لأزيد من أسبوعين، حيث طاف جميع بيوت أفراد أسرته مترجيا أخواله وأعمامه كي ينقذونه من هذه الصدمة التي حلت به، بل ذهب به الحال أن عرض مشكلته على أحد المقاولين من جيرانه، وكل هذا وذاك لم يشفع له، أي أنه لعب جميع أوراقه، فباءت جميع محاولاته بالفشل…وعندما التقيتُ هذا الشاب، حدثني بكل ما مرّ معه من أطوار هذه الملحمة، لا لشيء سوى أنه كان يتصل بي من قبل لأجل أن أحرر له المراسلات الإدارية، وكان يقص عليّ كل ذلك بنفسية المنتصر المحظوظ الذي حلّت عليه معجزة أنقذته من ورطة أكيدة؟!، إلى درجة أنه وهو غير مصدق عرض عليّ نسجة الصك الأصلي قبل أن يودعه للبنك يوم عاد من عاصمة الولاية، مستغربا كيف يمكن لأهله أن يفرطوا فيه، ولم يتخذوا موقفا لمساعدته. وفي النهاية امرأة لا يعرفها لا من قريب أو بعيد تدخلت وأنقذته في آخر دقيقة؟!. وبعد أزيد من ساعة في مجالسته، عرفت من خلال اسم هذه السيدة المجسد على ظهر الصك من تكون ومكانتها في عاصمة الولاية، وهي عائلة معروفة تاريخيا بجذورها اليهودية، وهذا ما زاد في شطط أفكاري، وجعلني أشارك جزءا كبيرا من ملحمة هذا الشاب، وأضع نصب عينيّ هذه النقطة بالذات، متسائلا(هل هذه السيدة التي هي يهودية الأصل هي أرحم وأكثر وعيا وإنسانية من أهل وأقارب هذا الشاب الضحية)، والضحية هنا بمعنيين ضحية نفسه وواقعه البائس الذي أوصله لهذه الحال،بالرغم أن حياتنا الاجتماعية والثقافية تعلمنا منها أن اليهود هم أعداء لنا في كل شيء، بدءا من التاريخ إلى الثقافة إلى العروبة وإلى الهوية والخصوصيات، لكن هناك مواقف -بلا شك- تقبل عدم الأخذ بجميع هذه المترادفات التاريخية، أو الإتكاء عليها، أو اتخاذها مرجعا قطعيا، وهاهي واحدة منها سأظل شاهدأ عليها؟!.
شاعر وصحفي جزائري*
[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق