مساهمات

الشباب وظاهرة الحرقة.. حل بديل أم حتمية؟

د. ناريمان فوزية عبو

بين واقع مرير وقلب ضرير وحلم اصبر لا مفر من بلوغه، التنقل ومغادرة هذا البلد الذي اصبح العيش فيه لا يطاق هو الحلم ذاته، تهميش وبطالة، عزلة اجتماعية ونفسية، فساد وظلم واستبداد، وضع صحي كارثي ومشهد سياسي متعفن، وأي هدف تريد ان تحققه لن تصله إلا باتصال هاتفي مستعجل، غلاء في المعيشة وراتب شهري لا يقضي حاجيات الفرد الضرورية للحياة، احباط اجتماعي ونفسي، تعليم يتدنى مستواه بين كل جيل تطلقه وزارة التعليم، وإصلاح فاسد للمؤسسات الجامعية بعدما اصبحت الطبقة المثقفة تتاجر بالعلم، هي افكار وجمل اختصرها واختزلها شباب في اذهانهم وهم في عمر الزهور، ممن جعلوا من الهجرة غير الشرعية أو ما يطلق عليها البعض بالحرقة رحلة للبحث عن الحياة اخرى، او بالأحرى عن الجنة.

الهجرة غير الشرعية او الحلم الضائع هو ليست بموضة جديدة وإنما ظاهرة تفشت في اوساط شباب الجزائر من مختلف ربوع الوطن، حيث التوجه الى الضفة الاخرى عبر قوارب الحياة، ان وصلوا، أو قوارب الموت اذا تعطل بهم المحرك، العديد من الولايات الجزائرية الساحلية اصبحت محطة استقطاب مختلف الجزائريين بفئاتهم شباب وكهول، نساء وأطفال وحتى رضع.

يجتمع هؤلاء المجازفون بحياتهم في سبيل حياة اخرى لتنظيم رحلاتهم غير الشرعية حيث يتم شراء قارب بمبلغ باهض جدا يجمع الحراقة المبلغ فيما بينهم حيث يدفع كل حراق ما يقارب 12 مليونا، ويصل عدد الحراقة احيانا الى 20، كل وله ظروف خاصة به دفعته الى ذلك، يضطر البعض منهم لتسديد المبلغ الى بيع لوازمه كالهواتف الذكية او ذهب زوجته او اجهزة منزلية او العمل لساعات طوال في سبيل شراء الموت المحقق، كثيرا ما كنا نسمع عن الحراقة الذين هاجروا على انهم من الفئات الذين لديهم سوابق قضائية او مدمنو المخدرات او المجرمون وغيرهم إلا ان في الاونة الاخيرة انتقلت التجربة وفكرة الهجرة الى الطبقة المثقفة حيث حاملي الشهادات العليا والموظفين والاطارت النساء منهم والرجال، الى كسب الرهان، مما يثير العديد من النقاط، ابرزها هل الى هذه الدرجة اصبح العيش في هذا البلد لا يطاق؟

الكثير من المحللين الاجتماعيين والنفسانيين والاقتصاديين ممن تحدثوا عن ظاهرة الحرقة وقدموا الاسباب التي جعلتها تتفشى في مجتمعاتنا وحتى انهم قدموا بعض الحلول التي يمكن ان تحد منها كضرورة احتواء هؤلاء الشباب نفسيا واجتماعيا وتوفير لهم مناصب عمل تليق بهم، خاصة بالنسبة لخريجي الجامعات ومحاربة البيروقراطية والفساد بأنواعه وأشكاله، إلا ان هؤلاء الشباب لم يجدوا آذانا صاغية لأصواتهم وآهاتهم التي كانت مجرد صرخة في واد.

ارتفاع الارقام والإحصاءات حول عدد الجزائريين الذين وصلوا الضفة الاخرى، دون ان نتحدث عن الذين لقوا حتفهم في وسط البحار، وصل الى الآلاف حسب تصريحات وسائل الاعلام الأوروبية، خاصة الاسبانية، والتي اطلقت ادعاءات من هناك على ان النسب العالية للمهاجرين الجزائريين التي سجلت في سنة 2016 توحي بأن الجزائر تعيش حربا اهلية او مجاعة وأمراضا، في الوقت الذي يحتجز فيه الحراقة الذين ألقت عليهم الشرطة الاسبانية القبض والذين يتواجدون حاليا في مراكز خاصة بالمهاجرين، فالعديد منهم ارسلوا برسائل مرئية عبر مواقع التواصل الاجتماعي يصورون ما يعيشونه من معاناة وعنف وحتى قتل في بعض الاحيان، يناشدون فيه رئيس الحكومة الحالي “أحمد أويحيى” التدخل العاجل لإيجاد حل لهم، إلا ان هؤلاء الشباب لم يكن لديهم صوت مسوع لا في وطنهم الجزائر ولا حتى في دول اخرى، فما محل السفارة الجزائرية بإسبانيا من هذا؟.

الكثير من المحللين السياسيين كذلك اليوم عندما يقيمون الوضع السياسي والأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر ويحاولون تقديم الحلول، يتحدث اغلبهم ان الحل الوحيد هو ان تعول الجزائر على هذا الجيل الذي يمكن ان يعطي للجزائر هبتها ومكانتها التي فقدتها مؤخرا، إلا انني اقول لهؤلاء المحللين كيف يمكن ان تعول الحكومة الجزائرية على شبابها وهي التي افقدته الثقة في كل شيء؟ حتى الثقة في نفسه كيف يثق الشباب اليوم في حكومته وهي التي ارسلت بالأمس ممثلا لها للمؤتمر العالمي للشباب شيخا في سن السبعين ممثلا عن 70% من الشباب!!!

مقالات ذات صلة

إغلاق