مساهمات

دعاة الأمازيغية الذين أرفضهم كانوا أصحاب نزعة بربرية فرانكوفيلية إسلاموفوبية

بقلم: الدكتور محي الدين عميمور

جيلنا اجتهد وأصاب واجتهد وأخطأ

إنها مهزلة يا عزيزي حميد أن نضع العربة “فوق” الحصان

العزيز حميد عبد القادر، أرسل رسالة رائعة إلى صديق ليس من جيله كما قال، ولأن هذا يمكن أن ينطبق على خادمكم المطيع، رأيت، أدبا، ألا أترك رسالته من دون جواب، وهذا ما جادت به القريحة:

أخي العزيز وصديقي الذي ليس من جيلي

لن يكون من باب تقاسم الأسرار أن أبوح لك بتقديري الشخصي لقلمك ولعفتك ولنضجك الفكري الذي يجعلك تبحث عن الحقيقة عبر الحوار، وتتحمل عبء كتابة رسالة أراها صورة صادقة لما يجب أن يكون عليه الفكر والثقافة. ولقد قرأت رسالتك أكثر من مرة وباهتمام كبير، وسأتجاوز عن المقدمة التي أسعدني ما تناولته من مسيرتك، وهي جديرة بالتقدير والاحترام، لكنني توقفت طويلا عند قولك بأن هناك أفكارا راودتك وأنت تقرأ كتاباتي عن الهوية واللغة والأمازيغية. وأنا شخصيا كنت أفضل أن أقرأ ملاحظاتك عما كتبته أو نشرته، لأن أفكارك من حقك وحدك، أما دوافع تلك الأفكار التي استثارتها كتاباتي فمن حقي أن أعرفها، بما أن الهدف الذي يجمعنا هو الحوار.

وأعتقد أن هذه نقطة الضعف الأولى في رسالتك، حيث كنت أتمنى أن أقرأ عرضا لكل المؤاخذات التي تراها فيما كتبته أو نشرته، وأنا أقول دائما أنني على استعداد لمراجعة كل آرائي إذا اقتنعت بعدم صحتها، وعلى استعداد للاعتراف بأي خطأ أكون وقعت فيه.

وأنا لا أخفي أنني أعتز بالعمق التاريخي الأمازيغي لبلادي وأراه يتكامل مع الانتماء العربي الإسلامي ومع الإيمان بثورة نوفمبر وبكل إنجازاتها ونتائجها، وبغض النظر عن أنها جهد بشري في ظروف استثنائية لا يستبعد احتمالات الخطأ بل والخطايا، ولا يُسمح بالحكم عليها بعيدا عن زمنها وملابساتها، خصوصا عندما يأتي من غير المؤهلين للأحكام، وهو ما نعيشه معا في مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت، كما نرى معاً، ساحة عمومية يسْرح فيها من هبّ ودب، ويفرض عليّ، كوطني، أن أتدخل أحيانا لأضع نقاطا على بعض الحروف وتحتها.

ولقد كانت كل مداخلاتي، فيما تصورت، هادئة رزينة، لكنه لم يكن من المعقول ألا أعلق على من يرفعون علم “جاك بينيت” الصهيوني، على حساب علم بن بوالعيد وديدوش وبن بلة وآيت أحمد وعميروش، ولم يكن من المعقول ألا أردّ على السفاهات والقذارات المنحطة التي تطال ثائرا وطنيا مثل الهواري بومدين، خصوصا وأن من استفادوا من حكمه عبر الوطن كله، وفي مختلف المجالات، لم يقولوا كلمة حق في الرجل، حتى من باب: ولا يظلمنكم شنآن قوم…

ولم يكن في مقدوري أن أترك تعليقات تتهم من رفعوا علما فلسطينيا في مناسبة محددة بالخيانة، ولا تلك التي تسخر من تضامن شعبنا مع نضال أبناء القدس.. في غير هذا يا عزيزي حميد لا أجد ما يُمكن أن أؤاخذ عليه، وسوف أكون ممتنا لو نبهتني إلى ما غاب عني.

هنا ألاحظ أنك أصدرت أحكاما على جيل كامل من حقي، بل ومن واجبي أن أتوقف عندها، وأولها الادعاء بأن جيلنا وضعكم في مأزق كبير، فقد صنع إخفاقات الدولة الوطنية، وفشل في تقديم خيارات ديموقراطية لمرحلة ما بعد الاستعمار، واختار توجها غير ديموقراطي، وهو منطق سمعته من شيوخ لم يجدوا موقعا في الكتلة القيادية التي سيّرت تلك المرحلة من بعد استرجاع الاستقلال، ومن سياسيين كانوا متأثرين بتجربة الجمهورية الفرنسية الثالثة (التي سبقت الحرب العالمية الثانية).

الديموقراطية في أبسط معانيها تعني الاسترشاد برأي الشعب في القضايا التي تهم مصيره، وعكسها الدكتاتورية التي يُفرض فيها الرأي على المجموع من دون أخذ رأيه بعين الاعتبار، وهنا أقفز إلى الأمام بسُرعة إلى مضمون القضية التي كانت دافعك للكتابة، قضية اللغة والهوية، وأطرح السؤال البسيط التالي: أي ممارسة ديموقراطية تلك التي يُستغلّ فيها ضعف نظام الحكم لكي يُنتزع منه “ترسيم” للغة الأمازيغية، عبر برلمان مشكوك في شرعيته، لتكون النتيجة لغة تكتب بالحروف العربية في الأوراس، وبحروف التافيناغ في الجنوب، وبالحروف اللاتينية في منطقة القبائل، طبقا لتصريح وزيرة التربية.

إنها مهزلة يا عزيزي حميد، أن نضع العربة “فوق” الحصان، وليس أمامه فقط، بدلا من التماس الطريق السليم نحو استرجاع كل معالم هويتنا الوطنية، وهو ما كان يجب القيام به منذ زمن بعيد بدراسات تاريخية وأكاديمية تتناول تاريخا عريقا معقدا، دخل فيه العنصر الفينيقي القرطاجي مع العنصر الروماني، وعرف انكسارات دوناتوس في النضال، وانتصار الاتجاه الأوغستيني في التثليث، والارتماء في أحضان روما في مراحل ما زالت تحتاج إلى دراسة مدققة.

دعاة الأمازيغية الذين أرفضهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا أصحاب نزعة بربرية فرانكوفيلية إسلاموفوبية ومضادة للعربية وللإسلام، وهم لم يؤمنوا يوما بخاتمة رسالتك الرائعة في مضمونها العام.

أصحاب النزعة البربرية، ولا أقول دعاة الأمازيغية، لم يقوموا بأي جهد دراسي وعملي واجتماعي للدعوة إلى ما يؤمنون به، بل على العكس، اتسم النشاط بمحاولة خلق عقدة ذنب مفتعل، تتوازى معها عقدة تفوق تدعي بأنهم النخبة المميزة، وأن بقية الشعب أضاعوا هويتهم وتنكروا لتاريخهم وأهملوا عظماءهم، وأصبحت القضية تصرفات استعلائية من بعض الأنصار تتوازى مع عمليات تخريبية استفزازية، طابعها المزايدة والابتزاز والشانتاج، وقدّم كل هذا كدفاع عن الديموقراطية تقوم به نخبة الأمة الطلائعية بالتوازي مع تراخي الأغلبية وقبولها وضعية “الطحين”.

وأتوقف لحظات لأذكرك بأنني من ميلة الولاية التي تجسدت فيها قبيلة كتامة البربرية التي احتضنت الفاطميين فيما بعد، وعائلتي معروفة هناك منذ عقود، أي منذ كان الاسم بن خلف الله، وهو ما يعني أنه ليست لدي أي عقدة في هذا الأمر.

سأقول لك أمرا لعلك تعرفه. في بداية السبعينيات حاولتُ إقناع بعض القائمين على القناة الثانية بإدخال بعض المظاهر الثقافية الشاوية والتارقية في برامج القناة، واقترحت أن نطلق عليها اسم القناة الشعبية، فقامت القيامة وراح من يذكرني بعنجهية بليدة:

Monsieur, c’est une chaine kabyle et elle le restera وأنت تقول: جيلكم يا دكتور، وضعنا في مأزق كبير، فقد صنع إخفاقات الدولة الوطنية، وفشل في تقديم خيارات ديمقراطية لمرحلة ما بعد الاستعمار…اختار توجها غيرُ ديمقراطي، قام على شعبوية أنتجت إخفاقا مهولا، وهو الجيل الذي صاح للعروبة، وهلل لها ثلاث مرات.

وبداية من النهاية، حكاية هتاف الرئيس بن بلة في تونس في نهاية خطابه كان حدثا فريدا لم يتكرر، فقد كان ردّ فعل ظرفي على الرئيس بو رقيبة، الذي تناول في 1962 ما فهم منه أنه يريد إقامة تجمع شمال-إفريقي مناقض للجمهورية العربية المتحدة آنذاك (عبد الناصر) بحكم التناقضات بينهما، لكنني لست أدري ما دخل هذا في اختيار توجهات غير ديمقراطية، كما قلت، وبالتالي فمن الطرح الدرامي القول (كان أحمد بن بلة يردُ على خصومه، وكل المناضلين الذين التفوا حول بوضياف، وحسين آيت أحمد، الذي قاد معارضة سياسية لنظامه، بالمقولة التالية “نحن عرب..نحن عرب..نحن عرب”).

الديموقراطية هي حق الشعب في اختيار من يحكمه، وفي متابعة إنجازاته وانتقاد أخطائه، ولأن الزمن تطور لم تعد ساحات أثينا هي مجال الممارسة الديموقراطية (والتي كانت آنذاك ممارسة انتقائية وليست جماعية)، فأصبحت الممارسة الديموقراطية تتم عبر الأحزاب السياسية.

وكما تعرف، فالحزب هو تنظيم سياسي يُعبّرُ عن واقع اقتصادي اجتماعي، يختلف عن واقع آخر يمثله حزب آخر له قاعدته الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، وهنا تنشأ التعددية، وأنت تعرف الفرق بين التعددية والعددية.

وواقع الجزائر إثر استرجاع الاستقلال كان حشودا هائلة من الأميين والعاطلين والمرضى، بدنيا أو نفسيا، ولا حديث عن فراغ الخزينة ومخلفات مرحلة الثورة، وكل هذا أنت، كمثقف، تعرفه جيدا. ومن هنا فإن الحديث عن تعددية حزبية كان خرافة يلوكها بعض الساسة الذين يريدون إقامة تجمعات نخبوية لا علاقة لها بالشارع الوطني، ولا يمكن أن تدعي بأنها تعبّر عن طموحاته.

وما تراه أنت “شعبوية” أراه أنا توجها “شعبيا” أدرك مطامح الأمة وراح يعمل في حدود إمكانياته الفكرية والمادية لتحقيقها، وهي إمكانيات يجب أن أعترف بأنها كانت محدودة، في جو مسموم كان يعمل ليستولي على ما تركه الكولون.

هكذا استلهمَتْ تجربة جبهة التحرير الوطني خلال مرحلة الثورة، واستطاع تحالف بن بلة – بو مدين تجاوز مرحلة الانقسامات التي كانت وراءها حكومة مؤقتة، لم تفهم بأنه كانت سفارة كبرى للثورة وليس قيادة عليا لها، وعرفت 1962 أحداثا قلت عنها شخصيا إن ما يؤسفني هو فشل التحالف وحتى التآلف بين آيت أحمد وبن بلة وبو مدين. وأنت تعرف أنه بعد إقرار الوثيقة العقائدية للحزب في 1976 بدأ الاتجاه لبناء حزب يضم أجنحة سياسية تتحول تدريجيا إلى كتل تصبح يوما أحزابا مستقلة، لولا أن القدر كان أسرع من التخطيط.

وأعود ثانية إلى بعض عناصر رسالتك الكريمة. أقام مصالي الحاج تجمعه السياسي في بداية الأمر في أحضان الحزب الشيوعي، لكنه أدرك أن الزيت والماء لا يختلطان، ومن هنا أقام حزب الشعب على قاعدة الانتماء العربي الإسلامي الذي تستجيب له الأغلبية الساحقة من الجزائريين عبر كل جهات الوطن، وأعتقد أنك لا تشكك في هذا، وهنا برزت جماعة طرحت، وربما عن حق، نسبة التمثيل الجهوي في القيادة الحزبية، ولكنها عقدت الأمور بموقفها من قضية دعم الشعب الفلسطيني تماشيا مع أفكار اليسار الفرنسي، وهكذا نشأ ما أطلق عليه الأزمة البربرية، وهي واقع سجله أهم المناضلين في تلك المرحلة، بمن فيهم بن يوسف بن خدة في مذكراته، وكان للعديد من أبناء منطقة القبائل مواقف رائعة ضد “البربريست”، ومن بينهم، كما تعرف، شوقي مصطفاي، وهو ما كنت سمعته منه شخصيا، وبالتالي فالصراع كان حقيقيا، والأحقاد التي نتجت عن تولي بن بلة مقاليد المنظمة الخاصة بعد حسين آيت أحمد ظلت جمرات ينفخ كثيرون لإحيائها، وهو ما حدث في أكتوبر 1963، وهم يتحملون مسؤولية عدم دفن صراع الأربعينات إلى الأبد، بل جعلوا منه وسيلة للاستعداء ولخلق عقدة الظلم و”الحقرة” عند شباب دفعوا فيما بعد لتصفية الحسابات القديمة، ومن هنا فمن الظلم أن يُقال (أصبح كل مناضل يرفض تصوراته القائمة على عبادة الشخصية مجرد “بربريست”، وأحيانا “مثقفا” يجب إبعاده من الحزب)، وليتني عرفت منك أسماء من تعرضوا لهذا الظلم لأندد معك به.

وأتوقف لحظات عند تعبير شعبوية مصالي التي أنكرها سعيد شيبان كما تفضلت بالقول (وبالمناسبة، صديقي الذي كنت رشحته لوزارة الشؤون الدينية آنذاك كان أخوه الشيخ عبد الرحمن، وكنت ساعدت الدكتور شيبان لإعداد معاني القرءان بالأمازيغية، حيث أرسلتُ له من باكستان تسجيلات تبرز تجربة كتابة معاني القرءان بلغة الأوردو)، وأتفهم تماما أنك كشاب متحرر ترفض الزعامات التي تجسد مبدأ عبادة الشخصية، ولعلي أتفق معك مرحليا، غير أنني لا أستطيع أن أنسى أن ذلك كان منطق العصر، فقد عرفنا نحن الأمير عبد القادر خالد باي ولالا فاطمة والمقراني وبو عمامة، وأخيرا وليس آخرا فرحات عباس ولامين دباغين (ولقد سعدتُ بكتابك عنه) وبن يوسف بن خدة، ومصالي بالطبع، وقبلنا عرفت أوربا بسمارك وغاريبالدي ونابليون ثم روزفلت وتشرشل وستالين وتروتسكي والجنرال سمطس في جنوب إفريقيا، وبالطبع هتلر وموسيليني وفرانكو وسالازار، وعرفت منطقة الشرق الأوسط كمال أتاتورك والمهدي في السودان وسعد زغلول في مصر وهنانو في سوريا وآل سعود في الجزيرة، ولا حديث عن أمريكا اللاتينية، وهي أسماء جسدت عصورا وشعوبا ومراحل كانت الأفراد فيها أرقاما، قبلنا ذلك أم رفضناه.

شخصنة التاريخ كانت جزءا من التاريخ، لا نتحمل، لا أنت ولا أنا ولا مصالي الحاج، مسؤوليته. وأنا، بكل أخوة، أرفض ما تقوله من أن الجيل الذي أنتمي إليه، يتحمل مسؤولية إدراج مسألة الهوية في قلب الفضاء السياسي لإضفاء الشرعية على النظام، ولمجرد أنه كانت أسبقيات لها أهميتها القصوى، وفي مقدمتها بناء الدولة.

ومن المنطلق نفسه لا أستطيع قبول ما تفضلت به بقولك إنه لا يحق لك (لي )” أن تنقل إخفاقات جيلك، وتصوراته، ومعتقداته للأجيال الحالية، حتى لا تنتقل نحو المستقبل، التصورات الوحيدة التي يُمكن لكم نقلها للأجيال الحالية، هي تلك المرتبطة بمرحلة حرب التحرير، هذه المرحلة المنيرة في تاريخنا، بل في تاريخ الإنسانية..على هذا الدرب أسير معك، وأقف إلى جانبك، أما فيما يتعلق بتصوراتكم لمرحلة ما بعد الاستعمار، فرجاءً دكتور أتركوها جانبا، فهي الإخفاق بعينه، ولا نريدها أبدا لأبنائنا، لأنها لا تصلح” (وهذا كلامك في الرسالة). هل هذا منطق رجل الفكر والتحرر والانعتاق؟.

من يعطي الحق لأي فرد لكي يدفن جزءا حيّا من ماضي الأمة في ضريح كضريح لينين، نمجده أو نقدسه، ولكن ننسى تجربته ودروسها، أو وضعهم في أقفاص نفسية كأنهم حيوانات على وشك الانقراض، يُعلفون ويعالجون في انتظار القدر المحتوم، ليتم تحنيطهم في متحف التاريخ.

جيلنا اجتهد وأصاب واجتهد وأخطأ، ولكننا لسنا تجمعا مقعدا من قدماء المحاربين انتهت حياتهم الحركية وعليهم أن يقبعوا في أحد المتاحف ليجتروا أحداث الماضي وليتفرج عليهم المارة، بل نحن جزء حيّ من الأمة، نتكامل مع الأجيال الأخرى لنتعلم منهم وليتعلموا منا، ولنعمل معا على الوصول إلى أرضية مشتركة من الفهم والتفهم والتفاهم، وليس هناك من يملك الحق في إدانة تصوراتنا لما بعد الاستعمار، وأفضل استعمال تعبير لما بعد استرجاع الاستقلال، لأنها تصورات نبعت من تجربة معيشية ومن معاناة فعلية، ولا يمكن الحكم عليها إلا من خلال مرحلتها الزمنية، أوالحكم على نتائجها بمنطق عدمية مطلقة، يجب التعامل معها كما يتعامل القط مع إفرازاته.

وبكل محبة ومودة وتقدير أقول إنه ليس هناك من يملك حق إقصاء لرجالات الأمة، الذين تركوا مقاعد المسؤولية للشباب ولكنهم يرفضون جلسات الاسترخاء على مقاعد ساحة الشهداء عندما تطل الشمس في شهر يناير، وليس هناك من يملك إنهاء وجودهم إلا الذي خلقهم وسوّاهم، وهذا يعني أن الحكم على الجزائر الموجودة في تصورات جيلنا بأنها أمر مرفوض لا يمكن أن يقبل من مفكر تسجل له كتاباته الكثير من الوعي، وليس هناك من يرفض جزائر المواطنة والافتخار بالتاريخ الأمازيغي، ولكن دراسة هذا التاريخ وإبراز مفاخره يجب أن تتم عبر مؤسسات علمية، وأقول علمية وليست تجمعات مُسيّسة تمارس الابتزاز، وتعطي الشعور بأن وراءها من لا يريد بالوطن خيرا، ولعلك تابعت الجدل في “الفيس بوك”، ولاحظت مدى الإسفاف الذي لم يتدخل أحد، فيما أعرف، لإيقافه.

ومن هنا فإنني أتفق مع الكثير مما ختمت به رسالتك، بقدر ما أختلف مع مقدمته، فأنا أريد جزائر متطورة، لا مغايرة، لأن هناك ثوابت تظل راسخة رسوخ جرجرة والأوراس، وأنا ممن ينادون بجزائر تستكمل ماضيها بحاضرها، ولا تعرف إقصاء أي رأي أو أي فكر أو أي شريحة عمرية أواتجاه فكري، جزائر لا تدين الماضي بكل ما فيه، ولا تدّعي أنها تملك مفاتيح المستقبل بكل ما يوحي به، جزائر تؤمن بأنها جزء من الماضي ولكنه ليست حبيسة الماضي، جزائر تعتمد الحوار والإقناع بالفكر والمنطق والحجة، جزائر تعرف أن الحد الأقصى المقبول للاختلاف هو حدوث الخلاف، لأن ما بعد هذا هو الصدام، وهو المرفوض بكل اللغات.

وما زال للحديث بقايا، قد يتدخل فيه آخرون يرون أنهم معنيون بالرسالة. شكرا على الجهد الطيب الذي تبذله ليحل الوئام والطمأنينة محل الشكوك والعدوانية. مع صادق المحبة و أسمى عبارات المودة والتقدير.

مقالات ذات صلة

إغلاق