مساهمات

ما منعنا من استثمار وعيينا بواقعنا؟

 بقلم: محمد بوكحيل

 

لو تأملنا صور ما يحصل في مدائن العالم من صراعات، وحروب، ومجريات التضليل الذي يصنع تفاسير ومبررات لها، لأدركنا أن اختلاف تأثيرها على الشعوب ناتج عن تباين وعي هذه الشعوب بواقعها. ولو أردنا البحث في واقعنا لنأخذ منه ما يلزمنا من أفكار وتصرف للتقليل حدة الأزمات لأخلصنا إلى أن أفكارنا تسبق واقعنا الذي أوجدناه نحن بتصرفنا، ولو تأملنا أيضا سر الفرق بين حسن التصرف وسوئه في ذلكم لوجدناه خصلةُ الوعي التي تتجلى في سلامة الإدراك ودقته والنأْيِ بهما عن المؤثِرات المغيِبة للمنطق والحقيقة، والذي يُمكن من خلاله قراءةُ ما بين السطور سيواجهنا سؤال غير بريء: هل لنا أن نعي هذه الحقيقة؟. وعدم الخوض في الموضوع من قبل المثقفين لا يعني سقوط هذه الفكرة من دائرة الرأي العام إنما نتيجة الخوف من شيوع فوضى المفاهيم في إشكالية التأويل وآثارها على المسار الاجتماعي.. وفي السياق ذاته، يأتي البعض بما يعتبرونه من المكونات الأساسية لفك الإشكالية ساعية من خلاله للظهور في الشارع.

ولكي نلتزم الحياد في الطرح، رأينا بادئ ذي بدء، أن نتطرق إلى البحث في ماهية الوعي ووظيفته، وتأسيسا على ذلك سنكتشف أن التأثر بما يجري من ﺣﻮﻟﻨﺎ شامل، ولم يعد يوجد مكان في عالم اليوم للجمود والانغلاق والتهرب، خاصة وأن عبارة الوعي الاجتماعي باتت من العبارات الجارية على الألسن والشفاه، ومن يتأمل مسار الأفكار فسوف يتوقف حتما عند مفهوم مصطلح الوعي ودلائله وفقا للمجال المقترن به، كالإشارة إلى اليقظة نقيض النوم أو الإغماء أو الإشارة إلى العمليات السيكولوجية التي يقوم بها الإنسان شعوريا، وسيكتشف أيضا أن الوعي الاجتماعي بجميع فروعه الثقافي أو السياسي أو السياحي.. إلخ يختلف من مجتمع إلى آخر، باختلاف المفاهيم المهيمنة على المسار الاجتماعي، وطبيعة إدراك الناس لتلك المفاهيم، والحوافز القصوى التي تخلقها المفاهيم في حياة الأفراد.

ومما سبق يمكن تعريف الوعي الاجتماعي بأنه نتيجة للتفاعل بين أنفسنا وعالمنا المادي، واتجاه عقلي يمكِن الفرد من إدراكه لذاته وللواقع المحيط به، من زمان ومكان وحوادث وأشخاص وسياسات.. ويمكن القول إن الوعي يلعب دورا هاما في التطور الاجتماعي، إما إيجابا أو سلبا، ذلك أن الأفكار الحاصلة لدى الناس قد تساعد على تطور المجتمع أوقد تكون عائقاً أمام هذا التطور بشكل ملحوظ.

ومن المؤكد أن الأمة بمجموعها لا تكون واعيةً إلا بوعيِ أفرادها الذين هم عصبها النابِض وفكرها المنير، وبصيرتها التي ترقى بها إلى معالِي الأمو؛ فالأمةَ إذا وعت واقعها دركت ما لها وما عليها في مآلات الأُمم الأخرى، وبذلك وفقط تستطيع أن تستثمر مكتسباتِها الحضارية “الدينية منها والتاريخية والسياسية والاقتصادية..” لتثبيت هويتها والاعتزاز بمآثر تاريخها وسمو أخلاقها وجميل معاشها، والاستِعداد الدائِم لسدِ الثغرات داخِلها وخارِجها لئلا تؤتى من قبلها، هذه حقيقة، والحقيقة الثانية هي أننا لا نعيش وحدنا في هذا الكون.. بل إننا نعيش في عالم تعمره مجموعات كبيرة من البشر أغلبها يستطيع أن يرصد حركاتنا، ويحسب حتى نبضات قلوبنا، وضغط أنفاسنا.. وهي جماعات تمنح نفسها الصلاحية بالدخول إلى فكرنا والتجول لمعرفة كل الأفكار والتخيلات والتصورات التي تسكننا لكي تصدر أحكامها على مدى صلاحية أفكارنا وآرائنا لتحدد موقعنا على بساط الواقع الذي تريد، ما جعلنا بين مجهولين؛ من الواقع والمجهول على مسافة واحدة من الحقيقة والوهم.. وكلما حاولنا أن ننظر بعيون الآخرين، اكتشفنا أنهم يرون ما لم لم نتمكن من رؤيته، فكثير من الحقائق يتغير بمجرد تغيير الزاوية التي ينظر من خلالها.. وإذا التزمنا الصمت وحاولنا التغيير للأفضل في نطاق ما نستطيع، لم نوفق لأن عقد العشائرية والطائفية والمذهبية والمعرفية والمصلحية والشعوبية ﻻ زالت تتحكم في ساستنا، وبعض مثقفينا وتقولب المسعى بالرياء، ومن يقنع بالتغيير في مظهره فهو سطحي كالقشور؛ مهما حاول التزين بها، فستظل هي القشور هي التي تقود حركته على مسارها تحت تأثير الدوافع الخارجية.

وما الانعطافات السريعة والمفاجئة التي ضربت العالم العربي، وجعلت أمتنا تتخبط في صراعات دامية ومشاكل لا حدود لها.. صراعات إقليمية ونزاعات حدودية وحروب أهلية وفقر وهجرة الشباب، وما أصابها من إخفاق إلا دليلا على جهلنا لواقعنا، أو قل إن شئت عدم استثمار وعينا بهذا الواقع.

لو تسألني أو تسأل غيري عن حال أمتنا ستكتشف أن جهلنا بواقعنا سبب رئيس من أسباب مصيبتنا، وأن هذا الوضع المؤسف في الواقع العربي بعد الاستعمار، أي بعد (التحرر عسكريا)، قد أفرز تساؤلاً حائراً فرض نفسه على الساحتين العربية والإسلامية عموما، ألا وهو: كيف نستطيع عبر قدرات عقولها أن نتخلص من عقدتنا ونصنع واقعا يمكننا من تحقيق الوعي الحضاري المأمول؟. والإجابة عن هذا التساؤل تقتضي الرجوع إلى سؤالنا الرئيس وهو: ما منعنا أن نستثمر وعينا بواقعنا؟

ومن منطلق اقتناعنا الراسخ بأن الوعي البناء والإيجابي أساس المجتمع السليم، نرى أن الوعي هو الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يوجهها، ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن نظرتنا هذه لن تكون شاملة، وكلمتي هذه لن تكون الحاسمة، وإنما هي اجتهاد أريده أن يحظى بالاهتمام بشكل عملي يقترن بالسلوك المتوجه إلى تغيير الواقع الذي تعيشه الأمة نحو الأفضل ليس إلا، وهو ما لم يحدث حسب اعتقادنا من غير قراءة واقعنا الراهن بكافة عناصره وتجلياته وظواهره، الصراع والاختلاط والتنافروالتصادم والتضاد في أكثر من مجال ورؤية وتحليل، وهي مسائل ليست من صنائع الاختلاف الايجابي المرغوب والمطلوب والمحبب لدى العقل المنفتح. قراءة من أجل توحيد الرؤى المختلفة حول مساوئ أحادية الرأي والتعصب السياسي، ذلك أن اضطرب المصطلحات وتنافر المفاهيم لا تفضي إلى توفير حتى أية مكانية للتحكم التي يمكن أن تدخلنا إلى أبهاء أو متاهات ظاهرة الواقع المعيش، أو تعرفنا على الطرق والمسارات التي يجب أن تسلك حتى نتعرف عليها ونمضي بعدها في رؤية بقية الأوضاع والتجليات.

فمهما كان النظام الاجتماعي، وكيفما كانت سلطة الحكم ونظامها السياسي في أي بلد عربي اليوم، لن تستطيع مقاومةَ الفاعلين الكبار على نطاق إفساد الوعي بغرض تحويلنا إلى شتات وغثاء من أناس متفرقين لا هدف لهم ولا مشروع نهضة يجمعهم، فالأنظمة متناحرة وأحزاب في حدودها متناحرة تتخذ العدو حكما ومناصرا وحاميا لها من شعوبها. حالنا اليوم كحال مملكات وملوك الطوائف في الأندلس، وأي حكومة اليوم لا يمكنها صد التردي وحقن نزيف الهوان في ظروف التجزئة والتباين في الرؤى والمصالح داخل طبقات المجتمع.

لا شك إذن بأن هناك عوامل معاصرة سرعت من سيرورة ضعف الأمة وجعلتها أكثر غيابا، إلا أن هذه العوامل كانت تفعل فعلها عبر الزمن داخل الدول وما بينها زمنا، وبتؤدة من خلال البعدين المادي والمعنوي لمفهوم الثقافة الذي يتخذ الآن طابع الصراع الحضاري بين الأجيال، وهنا افتح قوسا كبيرا للقول: قد يكون ابن خلدون من أكثر المفكرين العرب القدماء حضورا في حياتنا المعاصرة، ومن أشدهم ارتباطا بها بالنظر إلى المسائل والقضايا التي تطرق إليها؛ بحث، وتمعن، وفكر بعمق، ولا تزال حاضرة بقوة في حياتنا السياسية والاجتماعية والفكرية الراهنة. وما أظن أن النظم السياسية القائمة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم فيها، ومكانة النخب المثقفة في المجتمع وغيرها من القضايا يمكن أن تفهم راهنا من دون العودة إلى أطروحات ابن خلدون في مقدمته، ومن السهولة بمكان أن نتلمس من خلال الفصل المعنون بـ:(في أن الأمة إذا ما غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء)؛ الأسباب التي أدت بأمة العرب إلى مثل هذه الحالة الفظيعة من الوهن والضّعف والهوان والانقسام والتشتت حتى أنهم باتوا عاجزين عن المدافعة عن أنفسهم ومغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل.

وفي فصل :(في أنّ الدعوة الدينيّة من غير عصبيّة لا تتم) نقف على العديد من الجوانب المتّصلة بالحركات الأصولية التي انحرفت بالدين عن مجراه النبيل. يتحدّث ابن خلدون عن أولئك الذين نصبوا أنفسهم منذ البداية -حماة للإسلام في جوهره الصحيح- واعتمادا على ذلك التنصيب ارتكبوا ومازالوا يرتكبون جرائم شنيعة وفظيعة في حق المجتمع، مبيحين القتل والذبح والتمثيل بالمحارم والتنكيل بالأجساد، وهدر الممتلكات العامة والخاصة، وخطف الأبرياء والمطالبة بالفدية، وكل ذلك بدعوى الدفاع عن الإسلام والمسلمين!!، فمن الأشكال الكبرى (لا وعي بالواقع أو الوعي الزائف): طرق التفكير التي تركز على الخلافات الصغيرة وتغفل عن المشتركات الكبيرة، وتقلب سلم الأولويات رأسا على عقب، وتفضل العدو الوجودي على الأخ أو الصديق الذي يختلف معها في مسائل مجهرية عابرة قابلة للحل.

من هذا المنطلق حذر المفكر العربي محمد شاويش من تداعيات الواقع العربي قائلا:(..ومن منطلق ما أسميه -الوعي المناسب- أعرف “تزييف الوعي” بأنه توجيه الوعي العربي في اتجاهات تجعل الإنسان العربي في أحسن الحالات سلبيا مواظبا على أنماط السلوك غير المناسب، الذي يكرس دونيتنا، وهزيمتنا في العالم المعاصر، وفي أسوئها تجعله فاعلا في مكافحة الوعي المناسب وضرب أهله، وساعيا لتدمير ما تبقى من مكوّنات صحية مناسبة عندنا لصالح العدو؛ إما عن عمالة أوعن قصد، وإما عن سوء وعي؛ ينطبق على أهله أنهم ممن قال عنهم الله تعالى (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)104 الكهف; أو هم ممن قال عنهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنِّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)! (البقرة 11)

إذا علمنا أن الوعي البشري بطبيعته يستخدم المقارنة أداة للفهم والاستيعاب، أدركنا أنه لا خلاص لأمتنا من واقعها المزرى من غير انتشالها من براثن مشاعر اليأس والإحباط بإحداث تحسن حقيقي في الأوضاع المعيشية والحضارية عامة، وتبين اأن تجاهل الأمة لواقعها أمر تعددت حوله التفاسير والرؤى، كل يراه من زاوية نظره، وحسب درجة استيعابه وكيفية قراءته للظروف السياسية التي عايشها، وحسب ما نراه على الساحة السياسية، فإن العقل يرجح تأثير ثلاث عوامل رئيسة في هذا المجال أولها جهل المجتمعات بتاريخها وتراثها حتى صارت ترى نفسها على الصورة التي رسمها المستعمر لها، من تنازع الهويات واصطدام العرقيات والنزعات القبلية، وتسلط الفردية والحاكمية والعمالة وتحول عقد العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى وصل وصاية بابوية حاجبة للحقائق، إضافة إلى وقوف أغلبية النخب السياسية على مسافة واحدة بين رفض الاستعمار ظاهريا، والحاجة إليه والاحتماء به من ضغط الشعوب، وكدليل نسوق مثالين هما:

01 – الصيني والكوري والأوربي يصنع حاجته في بلاده والعربي يلهث وراء قشور حاجته بين مزابل أروبا – الإسرائيلي، يلجأ إلى مستشفى بلاده عند مرضه والسياسي العربي لا يبني مستشفى ويلجأ للعلاج في مستشفى عدوه، هذه عوامل مجتمعة شكلت سدا منيعا حال دون استثمار الأمة لوعيها بواقعها.

مقالات ذات صلة

إغلاق