» أعمدة » عندما تتحوّل الجاحظيّة إلى مطعم

عندما تتحوّل الجاحظيّة إلى مطعم

علي خفيف

51 مقال
منذ شهر واحد حجم الخط طباعة |

قرأتُ في الأسابيع الـماضية الجدلَ الدائرَ حول بيع مقر واحدة من أهم الجمعيّاتالثقافيّة في الجزائر، ألا وهي جـمعيّة الـجاحظية التي أسَّسها الأديب الكبير الطاهر وطار،ولـم يكن الأمر يستدعي الوقوف عنده كثيرالو تعلّقببيعها مع الـمحافظة على طابعها الثقافي، ولكنها ستباع ليتم تـحويلُها إلى مطعم حسب ما أوردتْه بعض الصحف!.. وعلى الرّغم من أنني لا أعرف الظروف المختلفة التي دَفعتْ بالقائمين على الجاحظيّة إلى التفكير في هذا الـمخرج، ولا أريد أن ألومهم على شيء، لأنهم مضطرون بلا شك.. ولكنني أريد أن أناقش رمزيّة هذا التـحوّلالـعام الذي أصبحالساندويتش ينتصرُ فيه على الكتاب دائما!.. أمام هذه الوضعية التي تؤدّي دائما إلى انـحسار الثقافة،يـمكن لكلّ مناهج التحليل أنتشتغل لاستخراج الرمزيّة التي تؤسِّسُ لعلاقة الثّقافيبالـخبزيست في الجزائر..فعلى النقد الثقافي أن يشتغل لتفسير الأنساق الكامنة والـمضمرات الـمخبوءة وراء تضييق الخبز على الثقافة في مـجتمعنا، كما على التحليل النفسي أن يشتغل  للبحث عن العقد النفسيةوالآليات الدفاعيةالتي تجعل الخبزيست يبذل كلّ ما في وسعه لإخراج الثقافي من الـمنافسة.. وعلىالنّقد الاجتماعيّ انيشتغل لتفسير كيف أن الصراع الطبقي أصبح يُسَيـِّــرُ حَـــرَكَـــةَ التاريخ إلى الحتميّة التي تنتهي دوما إلى انتصار نموذج الخبزيستوالأوليغارشيا على البروليتاريا والـمثقفين.. وتشتغل البنيويّةوالسيميائيّة لتحديد البنى الـمهيمنة والعلامات الدالة لتتبع الرّمزيّة الـمؤسِّسة للعلاقة بين الثقافة والبطن وتبعيّة الثّـــقافي للخبز وعلاقتها بالتَّخلُّف عندنا.. ستنتهي جلّ التحاليل إلى أنّ الأمر يتعلّقُ بصناعة النَّموذج القدوة الذي يُرَادُ للأجيالِ القادمةِ، أن تسير على منواله، حيث تسعى جِهَاتٌ فاعلةٌ، إلى تغليب نـموذج البزنس على نـموذج الـمثَقَّف، وتكريس ذلك إلى أن يصبح النَّاسُيتمنَّوْنَ أن يكون أبناؤهم بزناسيّةً -على طريقة النماذج الـمكرّسة- شديدي العداء لكل ماهو ثقافي!..

لقد قرأتُمقالا للدكتور أمين الزاوي  قبل سنواتفي جريدة الشروق، يـُحلِّلُ حادثة مشابـهة،كان ذلك حين اشترى الشاب مامي بيت الـمفكر مصطفى الأشرف،ولعلّ الأمر حينذاك كان أهون، لأنه يتعلّق بشراء بـَيْتٍوليس بشراء مؤسَّسَةٍ ثقافيّة لتحويلها إلى مطعم،على الرغممـمّافيه من رمزيّة هامّة، أشار إليها الـمقال، تـُحِيلُ على إفلاس نـموذج مصطفى الأشرف، في مقابل صعود نجم نـموذج الشابّ مامي.. بدليل الواقع الذي لا أحد فيه منشباب اليومما زال يعرف مصفى الأشرف  فضلا على أن يقرأ كتابه “الجزائر الأمّة والمجتمع”، ولكنَّهمكلَّهم يتمايلون طربافي كل شبر من التراب الوطني على إيقاع مامي!..

في مصر ما تزال مقهى الفيشاوي التي كان نـجيب محفوظ يجلس فيها ويكتب بعض رواياته تـُمثِّلُ معلما سياحيا هامّا، يتوافد عليها آلاف السياح والزوّار من الـمصريين والأجانب، تَـبــرُّكاً بشيخ الرواية العربيّة الـحائز على جائزة نوبل، وقد قرأتُ مؤخَّراً أن مِصرَ تستعدُّ لفتح متحف كبير في نـهاية هذه السنة، بوسط القاهرة ، باسم نجيب محفوظ.. الأمر الذي يـجعل من غير الـممكن  معه ، أنتشتري منزل نـجيب مـحفوظراقصة من راقصات مصر، كما تساءل عن ذلك أمين الزاوي في مقاله السابق الذكر !…وفي فرنسا أشار على ديغول بعضُ مستشاريه أن يواجهَ مظاهرات 1968 بالقوّة، فأجابـهم: لا أستطيع..كيف أقمعُها وفيها جان بول سارتر فيلسوف فرنسا؟..

أما عندنا: فليسمح لي أستاذنا الكبير السعيد بوطاجين أن أنقل ما كتبه على صفحته يوم 19 سبتمبر: “قدّم الطاهر وطار مداخلة في قسنطينة وطلب تعويضا، فقيل له: لا نـملك قانونا خاصا بالكتّاب والـمثقّفين، فأجاب: طبِّقوا عليَّ قانون الراقصات”!.. ولا أضيف أيَّ تعليق.

 

 

نشر