» أعمدة » فرانس كافكا:(المسخ) والإنسان والجدوى الاقتصادية

فرانس كافكا:(المسخ) والإنسان والجدوى الاقتصادية

علي خفيف

51 مقال
منذ شهر واحد حجم الخط طباعة |

عندما كنت أتابع النقاش الدائر حول الوضع الاقتصادي في البلاد، وحول الجدوى الاقتصادية للسياسات الـمتخذة لـمواجهته.. كنت قد انتهيت لتوّي من إعادة قراءة رواية”الـمسخ” أو”التحول” la metamorphose”” للكاتب العالمي الشهير فرانس كافكا التي تُعتبَر من أهم الروايات العالـميّة التي احتفى بـها النقد والإعلام وتحوّلت إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وأفلام كرتونية كثيرة..وقال عنها الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز: إن الذي حَبَّبَ إلـيَّ أن أصبح روائيا هو قراءتي لرواية الـمسخ.. في هذه الرواية يـُحَوِّلُ كافكا بشكل فجائعي بطلَ الرِّواية الذي لـم يَعُدْ قادرا على تحمّل الاستغلال والاستـمرار في ضمان الجدوى الاقتصاديّة لعائلته الـمُفلسة، إلى وحش عملاق، مُركَّبٍ من جذع إنسان له رأس بعوضة وقد تحوّلَتْ أطرافه إلى قوائم دقيقة وقرون استشعار!..ويُبقي هذه الآفةَ مُسلّطةً على أعصاب جميع أفراد العائلة بشكل درامي وعجائبيّ، تُقَزِّزُهم وتَقُضُّ مضاجِعَهم وتَسْلُبُ عنهم الشعور بالراحة الـمادّية والنفسيّة طيلة فصول الرواية.

لقد عبَّرَ كافكا في هذه الرواية التي كتبها بالألـمانيّة سنة 1915 على واقعه بشكل عبثي، وعالج فيها موضوعاتٍ كثيرةً مرتبِطةً بالـمجتمع الرأسمالي كالاستغلال والاغتراب وقيمة الإنسان في غياب الجدوى الاقتصادية…لقد كان كافكا مُولَعاً بالثقافة والقراءة والفن، لكنه كان عديـم الجدوى اقتصاديا في نظر والده التاجر الثري المستبد، الذي لا يُقَدِّرُ شخصا بعيدا عمّا يجمعُه من أموال.. ما جعله يعيش انفصاما كبيرا مع نفسه ومع أسرته ومـحيطه، نتيجة عدم قدرته على تحقيق ذاته خارج النموذج الـميكيافيلي..جسّده بواسطة آليات دفاعية نفسية كثيرة كالإسقاط والصراع والعدوان والنّكوص والإحباط وغيرها.. عبّر عليها من خلال بطل الرواية سامساغريغورالعائل الوحيد لعائلته الـمتكوّنة من الأب الأرستقراطي السّابق، الـمتقاعد الذي أصبح غارقا في الديون ومُتَابَعاً من قِبَل جهات كثيرة، والأم الـمريضة بالرّبْو، والأخت الصغرى غريتة التي لا تشتغل وتنتظر منه أن يـُمَوِّل دراستَها في معهد للموسيقى..يـتكفّل بكل هؤلاء عن طريق عمله الـشّاق كبائع مُتَجوِّل، لحساب شركة يمتلكها رجلٌ استغلاليٌّ جَشِعٌ، حَوَّلَهُ إلى آلة لا تَعْرِفُ من الزمن سوى مواعيد القطارات التي تُسَوِّقُ الشركةُ السلعَ عن طريقها..يستيقظ بطلُ الرواية ذات صباح، بعد خوض صراع داخلي طويل-كما هو الحال في كل ليلة- مع نفسه، وبعد أحلام مزعجة، ليجد نفسه قد تـَحَوَّلَ إلى حشرة عملاقة، في سيرورة نفسيّة مأزومة جدا ومتأجّجة الاضطراب، تعبّر على رفضه لوضعه اللاإنساني ..أبدى في البداية شيئا من الـمقاومة، آمِلاً في أن تتحمَّلَهُ عائلتُه حتى يتغلّب على وضعه ويعود إلى عمَلِه، ليبقى نافعاً مَالِـيّاً وبالتالي يحافظ على إنسانيته وتقدير أسرته ومحيطه!..ولكنه بعد أن لاحظ أنَّ عائلتَه التي حَوَّلَ نفسَه إلى آلةٍ اقتصاديّةٍ من أجلها، أصبحت تتقزَّزُ منه، وقد قرَّرَتْ التَّخلُّصَ منه لانتهاء صلاحيته الاقتصاديّة..عند ذلك فَقَدَ القدرةَ على الـمقاومة واستسلم للموت بشكل تراجيدي يثير كثيرا من التعاطف.. تَسَاءَلْتُ وأنا أُنْـهِي قراءةَ الرواية مُسْقِطاً أنساقَهَا الدراميَّةَ على واقعنا: كم هو عدد الأشخاص والـشّركات والـهيئات عندنا التي يجب أن تُـمْسَخَ إلى حشرات ضخمة لعدم جدواها الاقتصادي أو لعدم قدرتـِها على تحمُّل الاستغلال، بحسب تصوّر فرانس كافكا؟!..طالـما أننا لا نُـثـمِّن شيئا خارج الجدوى الاقتصادية على الرغم من أنّ الرأسمال البشري والقوّة الرمزيّة الـمتمثّلة في الثقافة والفكر هي التي تصنع التنميّة وتنتج الحضارة…

نشر