بقلم / الحفناوي بن عامر غول الحسني

عندما كنت أَهُمّ بكتابة موضوع حول البسملة وأهميتها في حياة المسلم، جراء ما وقعت فيه الوزيرة نورية بن غبريط من خطأ، وما أغفلته حينما تعمدت حذف البسملة من الكتب المدرسية، رجعت إلى بعض التفاسير والكتب الفقهية والمعاجم اللغوية والمقالات الصحفية والمواضيع البحثية المنشورة هنا وهناك، بما فيها تلك المقالات والمواضيع ذات الصلة المتوزعة والمتوسعة في شبكة الإنترنت، لكن الغريب أنني حاولت التركيز أكثر فيما وجدته في غير المنشور، والذي يغيب عن المتابعين والقراء، والذي تضمنته كنوز الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، وخاصة المخطوطة التي اكتشفناها مؤخرا، في خزانته، القائم عليها حفيده -وفقه الله تعالى وأعانه على أداء الأمانة- الأستاذ المحب ابن عبد الرحمن عبد الكريم، رئيس جمعية (الشيخ محمد بن عبد الرحمن) في عين الديس، مستقر أولاد سيدي إبراهيم الغول، المحروسة بعين الله ورعايته.

و رغم أهمية المخطوطة، إلا أننا وجدنا فقط (رأس الخيط)، والتأكيد على أن للشيخ الديسي تفسيرا للقرآن الكريم، يضاف إلى الكتب المنشورة والمخطوطة والمصنفة في شتى العلوم والفنون، والتي برع فيها العلامة -رضي الله عنه وأرضاه- بلا منازع، وأخذ فيهما الإجازة وأذن له بها التدريس والإفتاء والتحقيق والشرح. والمخطوطة متكونة من صفحتين من الحجم الكبير مكتوبة بالخط المغربي القديم، وبخط يد نجله الأستاذ أبو داود، وهي بداية التفسير الضائع لسيدنا الشيخ، التي وضعها تحت عنوان ” فتح القدير بلطائف التفسير “.

ويقول مؤلفها بأنها حاشية على تفسير الجلالين، وقد أعجبني تفسيره للبسملة، ورأيت وكأنه اليوم معنا للرد على من يحاول طمس معالم شخصيتنا العربية الإسلامية لينال من هوية الأمة الجزائرية. ورغم صغر الرسالة، وخاصة النص المُفسر، باعتبار أن الورقتين مهمتين لنعرف منهجية وطريقة الشيخ الديسي في التفسير، إلا أنها مهمة بالنسبة للباحثين في فضل بسم الله الرحمن الرحيم، وإنني جعلت لها مقارنة مع بعض التفاسير، بما في ذلك تفسير الجلالين، فوجدت أن نص تفسير الديسي أعمق وأشمل رغم اختصاره، وهو الذي عرف عنه التطويل من أجل الإفهام والشرح المبسط، حتى يعرف العامة ما يريده الشيخ وما يصبو إليه لغاية ممكنة في الفهم وجعلها في متناول العامة لأهميتها، ومنها قوله في شرح البسملة التي يؤكد بأنه ” لا ينبغي أن يخلو منها الكلام، سواء في المسائل الدينية أو الدنيوية..”، ولهذا نجد أن تفسيره للبسملة سهلا، والغرض منه قد كان ليُفهم المطلع على فضلها وأهميتها، وفي هذا يقول الشيخ بما فتح عليه المولى سبحانه وتعالى فتح العارفين ” الكلام على البسملة شهير، بلغ من كل فن نهاية التحرير، وإنما ينبغي هنا ألا يخلى منها الكلام، تبركا بخدمتها في هذا المقام، فنقول اشتمل هذا الذكر الشريف على ثلاثة أسماء عظام من أسمائه تعالى الحسنى، اسم الجلالة الله، الدال على الذات الأقدس وسائر الصفات العلية، واسمان راجعان إلى الصفات المقدسة، وهما الرحمان الرحيم، الراجعان للرحمة. ورحمته تعالى سابقة لغضبه، كما أخبر تعالى بذلك عن نفسه في الحديث القدسي، بقوله رحمتي سبقت غضبي، أي غلبت، بمعنى أن متعلقاتها وآثارها أكثر وأعم من متعلقات صفة غضبه تعالى، إذ من أثار رحمته تعالى وجود الأكوان وحفظ النظام، بإمداد كل بما يستحقه مما قرر له، فلهذا المعنى، والله أعلم، أمر الشارع صلى الله عليه وسلم بجعل البسملة الشريفة فاتحة كل أمر ذي بال، أي مهم ديني أو دنيوي، لتحصل بركتها لتلك الأفعال، ويندفع عنها بسرها النقص الحسي والمعنوي وسائر أنواع الاختلال، فما أرأفه صلى الله عليه وسلم بأمته، حيث أرشدهم إلى ما تقصر عن إدراك كنهه العقول، ولا يمكن أن يكون له من غير بابه الشريف الوصول..”، هذا ماجاء في تفسير البسملة للشيخ محمد بن عبد الرحمن التي ننشرها اليوم لقراء “الحوار”، ولأول مرة في الصحافة، حتى تعم الفائدة والبركة. ولو رجعنا إلى تفسير الجلالين (الإمام جلال الدين أبي عبد الله بن محمد المحلي، المتوفي سنة 846هـ، والحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، المتوفي سنة911هـ) رحمهم الله تعالى، فإننا نجد حاشية الديسي قد توسع فيها، هذا إذا علمنا بأن الشيخين لم يفسرا البسملة، ولا بأس عندما نقارن بين شرحهما لقوله “الحمد لله “، نجد الآيات الأولى من سورة الفاتحة في تفسير الجلالين بقوله الحمد للَّهِ ” جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق أو مستحق لأن يحمدوه، والله علم على المعبود بحق”، في حين نجد في حاشية الديسي الموسومة بـ (فتح القدير بلطائف التفسير) توسعا، حيث يقول ” الحمد لله حمدا موافيا النعمة مكافئا لمزيده”، اختار المصنف -رضي الله تعالى عنه – هذه الصيغة مقتبسا لها من الحديث ما يتغير ويسير بجوازه مراعاة لسجع أو وزن، لأنها أبلغ صيغ الحمد على ما قيل، لقول النووي -رحمه الله تعالى- قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين لو خلق إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد، ومنهم من قال بأجل التحميد، فطريقه في بر يمينه أن يقول الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وهذا أصله في الحديث، فغيره المصنف -رضي الله عنه- إلى ما يوافي نعمه، أي يلاقيها فتحصل معه، ويكافئ بهمزة في آخره، أي يساوي مزيد نعمه، ومعناه يقوم بشكر مازاده من النعم والإحسان وحمدا من جهة المصدرية وهي ملائمة، فإن أصل الحمد لله مصدر منصوب عدل عن نصبه إلى الرفع لقصد الثبوت والدوام، لأنه مفاد الجملة الاسمية، والنصب لازم الفعلية لأنه بتقدير فعل، وهي تفيد التجدد والحدوث، والاسمية أبلغ في هذا المقام وأومأ إلى أنه حمد عظيم بتوكيده وتنكيره ووصفه بموافي أي صافيا ومقابلا، وبمكافئ بالهمزية لا مساويا، والنعم جمع نعمة بكسر النون الإحسان، وبفتحها التنعم، وبضمها السرور، والمزيد مصدر ميمي اي الزيادة ”

هذا ما أردت أن أعرّف به القارئ في تفسير البسملة للشيخ الديسي المخطوط، لأن سر الفاتحة عظيم ووقعه جليل كبير، وهي ” قَسَمٌ من الله تعالى أنزله عند رأس كل سورة، وخصَّ به هذه الأمة بعد سليمان عليه السلام، وقد دلَّت على ذات الله تعالى وصفاته، وينبغي لكل مسلم أن يرتبط بها في كل حركة من حركاته؛ فهي مفتاح كل خير”، وهذا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يخبرنا في الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه من رواية أبي هريرة ” كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر “، أي أقطع وأجذم، مع أن فضلها وبركتها وما يستفاد منها جعل منها مستحبة، كما بيّنته السنة النبوية المطهرة متسلسلة في حياة المسلم، إذ عند دخول الخلاء يقول “بسمك اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث”. و في أول الوضوء كما في الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ” لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه”، و تستحب عند قراءة القرآن، والحديث، ومجالس الذكر، وعند الذبح، لما جاء في قوله تعالى ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومطلوبة عند الأكل كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك”. وعند الجماع لما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً”، وعند الركوب ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، ولأن الله تعالى افتتح كتابه بالبسملة، وافتتح سليمان عليه السلام كتابه إلى ملكة سبأ بالبسملة، قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وافتتح النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى هرقل بالبسملة، لذلك اعتبرها العلماء كما ذهب أكثر الفقهاء إلى “مشروعية البسملة واستحبابها عند الأمور المهمة”، وقد جاء في الموسوعة الفقهية أنه “اتفق أكثر الفقهاء على أن التسمية مشروعة لكل أمر ذي بال، عبادة أوغيرها”.

للموضوع مراجع