محمد زرواط،صحفي وكاتب عمود يمارس مهنة المتاعب باللغتين العربية والفرنسية،الأولى يعتبرها موروث حضاري والثانية تحدي، أما عن الكتابة فاعتبرها هواية خطيرة، لأنها ليست متاحة للجميع فهي تحتاج جرة قلم وجرعات من الجرأة ..وفي هذا اللقاء الذي جمعه ب”الحوار” تحدث محمد عن تجربته الإعلامية الجديرة بالذكر وآراءه في مختلف القضايا الإعلامية.

من أين بدأ مشوار محمد زرواط في حقل الإعلام؟

 

بدايتي كانت مع جريدة الاجواء في نسختها الناطقة باللغة الفرنسية كمراسل لولايتي المدية والبليدة وكان ذلك سنة 2010، كانت بوابة فتحت لي شهية الكتابة في عالم الصحافة

وبما مسافة الالف ميل في عالم الاعلام تبدأ بمقال، كنت حريصا على الاحتكاك بأعمدة الاعلام الناطقين بالفرنسية في ولايتي المدية والبليدة على غرار موسى الباي، حميد سحنون، عبد القادر طيطة و منصور، هكذا الاحكتاك ولد في نفسي ثقة في النفس ورغبة في مواصلة المشوار، حيث انني انتقلت بعدها الى جريدة le courier d’algerieسنة 2012،كما انني كنت اكتب مقالات الرأي في اعمدة كل من جمال لعلامي بجريدة الشروق والراهب الاعلامي سعد بوعقبة، حيث بعث له مقالا يشبه الى حد كبير المقالات الفلسفية، علق عليه بتعليق يحمل توبيخا لما كتبت، احترمت رأيه واعتبرته شرارة أشعلت فتيل أفكاري لأبعث له بمقال اخر عن سوق الوعد الصادق كنقد لسلوك الطمع والجشع عند المواطن الجزائري عنونته ب: من عمي صالح الى همي صالح، و استحسن بوعقبه ماكتبت و اعجب به الاف القراء الشيء الذي دفعني الى المواصلة في كتابة عمود الرأي في جرائد وطنية كصوت الأحرار وجرائد مغربية كجريدة المنعطف… في المقابل انتقلت الى جريدة tribune des lecteurs رفقة صديقي الاعلامي المبدع زكريا محفوظ و كان يومها المرحوم مالوفي مهدي رئيساً للتحرير، لم يكن زميلاً فقط بقدر ماكان أبا للجميع.

 

-تكتب باللغتين العربية والفرنسية، هل بدافع الاحتراف أم التحدي؟

اللغة العربية هي موروث حضاري في ولاية المدية باعتباري ابنا لهذه المنطقة،ف نحن نتقنها بالسليقة ولم أتذكر يوما أنني فتحت كتاب قواعد، كل ما نكتبه أو ننطقه بلغة الضاد نابع من تغذية لغوية في سن النطق، أما علاقتي باللغة الفرنسية فهي تحد لظروف أمنية واجتها الولاية في سنوات الجمر، حيث لم نتعلم حروف الهجاء باللغة الفرنسية حتى بلغنا السنة الثامنة من التعليم الأساسي لأن لغة فولتير في مرحلة ما من حياتي كانت تعني الكفر والردة عند الأصوليين والردة عقابها القتل، هذا ما جعل أستاذة هذه المادة يفرون بجلدهم نحو ولايات أكثر أمناً، لهذا بعد أن تم توجيهي لقسم الالكترونيك اخترت اللغة الفرنسية رغم كل ماقيل يومها من طرف الزملاء، لأنني كنت أسير بفكر مالك بن نبي فالجزائر متشبعة بالكهربائيين وهي بحاجة لمن يكتب بصدق، الكتابة اعتبرها هواية خطيرة لأنها ليست متاحة للجميع فهي تحتاج جرة قلم وجرعات من الجرأة …أن تترعرع في بيئة ريفية في بئر بن عابد أقصى المدية في سنوات الجمر هو تحدي كبير، رغم هذا أنا مدين للريف بالكثير لأنه زرع في محمد الطفل حلم الكتابة في جريدة ما، مسألة الاحتراف اعتبرها فكرة قيد الانتظار، فالصحفي المحترف حسب التعريف المحلي المتداول هو من يملك بطاقة تمنح في غالب الاحيان لمجموعة من الموظفين يمكن ان نسميهم كل شيء الا صحفيين ، اعتبر الكتابة بجميع اشكالها وصورها صحفية كانت أو أدبية بمثابة ترياق لما عشته في طفولتي، يمكن القول أنني أكتب لدواعي صحية حتى أتصالح مع محمد الصغير الذي كان حلمه الكتابة

-هل لمست فرقا بين الإعلام المكتوب بالفرنسية ونظيره بالعربية من ناحية الاحتراف أو المهنية؟

 

مع احترامي للذين يكتبون باللغة العربية وأنا واحد منهم، هناك هوة كبيرة بين الاعلام المكتوب باللغة الفرنسية ونظيره المكتوب باللغة العربية، على مستويات عدة، أولا طريقة الطرح والتعامل مع مواضيع الساعة، ثانيا الفركنفويون أكثر جرأة في الكتابة و النقد، ثم أن أغلب تصريحات المسئولين الجزائريين تكون باللغة الفرنسية مما يسهل للاعلام الناطق بها التعامل مع هذه التصريحات الرسمية، الاحتراف والمهنية يحدده القاريء بطريقة غير مباشرة، للأسف بعض الجرائد الناطقة بالعربية تكتب عناوين مبتذلة بلغة منحطة جداً لأنها وجدت في هذا الابتذال منبعا للربح و التخلص من أكبر عدد ممكن من النسخ، كما أن الفايس بوك أصبح مصدراً رئيسياً للخبر عند بعض الجرائد الناطقة بالعربية وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً في عالم الاعلام، رغم ذلك يمكننا استثناء بعض الجرائد الناطقة بالعربية أولها جريدة الخبر خاصة في قسمها الثقافي الذي تشرف عليه مجموعة من الصحفيين المبدعين كحميد عبد القادر، مسعودة بوطلعة و محمد علال،…عندما أقول أن الفرق جلي لا يعني المطلق، فالأمر نسبي ولا يعني أن كل الاعلام الناطق بالفرنسية مميز ومحترف وانما أقصد امهات الجرائد كجريدة el watan، جريدة liberté وجريدة le soir d’Algérie

 

-يحمل البعض الإعلاميين الشباب مسئولية تفشي الرداءة الإعلامية،..مارأيك؟

 

الرداءة مست كل شيء في هذا الوطن، و الاعلام تحصيل حاصل، الرداءة سلوك غير مرتبط بالسن أو المستوى التعليمي وعليه لا يمكن أن نجزم بأن الشباب وحده من يحمل على عاتقه مسؤولية الانحطاط،فالتوظيف العشوائي و حب الشهرة هو الذي وضع مستوى الصحفي في خانة الرداءة ،كما لا يمكننا تجاهل الخط الافتتاحي لكل جريدة و توجه مالكها فهناك بعض الجرائد تباع على أساس أنها كومة من الورق ولا فرق بينها وبين الورق الأبيض، غير أن مالكها يحصل من بيت مال الاشهار العمومي ما يجعل منه رجل أعمال، وعليه اهتمامه بعائدات الاشهار أهم من أي اهتمام اخر وهذا ما يجعل الجريدة مرتعا لمن هب ودب، التوظيف في قطاع الاعلام -للأسف- تحدده المؤهلات الشكلية وليست المؤهلات الفكرية و العلمية، خاصة في مجال السمعي البصري، تراكم هذه الوقائع عجلت بانحدار المستوى العام للانتاج الاعلامي بأشكاله.

 

-هل يفتقد الصحفيون الشباب اليوم للتأطير والتكوين اللازمين؟

 

صحفيونا مصابون بفوبيا القراءة، والصحفي الذي لا يقرأ لا يمكنه أن يطور أسلوب كتابته ولمسته الاعلامية، الامر لا يقتصر على الصحافة المكتوبة فحسب، فمن المخجل أن ننعت اعلاميا في السمعي البصري وهو في حقيقة الأمر لا يستطيع كتابة جملة من انشائه الخاص، وهنا وجب علينا التمييز بين المنشط، مقدم الاخبار و الاعلامي المحاور، احسن مدرسة للتكوين هي الاحتكاك بالكفاءات و محاول الاستفادة من الاخر بعيداً عن النرجسية و ادعاء امتلاك المطلق، التكوين المستمر يجب أن يكون محليا ودوليا وعليه وجب على المؤسسات الاعلامية بعث مستخدميها لمؤسسات أجنبية للاستفادة من كفاءة الاخر، و هنا دعوة للصحفيين الشباب للانفتاح على الاعلام العالمي وهذا بتعلم اللغات .

 

-يتحدث البعض عن الفوضى في القنوات الخاصة، هل فشلت هذه الأخيرة في استقطاب المشاهد الجزائري؟

الفوضى سلوك عام مثله مثل الرداءة، والفشل في الاسقطاب لا يعني أن خط القناة غير ناجح، سلوك المشاهد الجزائري استثناء في حد ذاته، فالمشاهد الجزائري يمكنه أن ينشر الاشاعة بسرعة الضوء، لهذا نجحت بعض القنوات التي تقدم منتوجا اعلاميا رديئا جداً في اسقطاب اهتمام المشاهد لأنها عرفت من أين تسمك الة التحكم، وعليه فالفوضى نابعة من ذوق المشاهد الجزائري ، كما أرى أن المنطق العكسي هو من يثبت وجوده في هذه الظاهرة، بمعنى أكثر القنوات الخاصة مشاهدة هي التي لا تقدم منتوجا اعلامياً جديرا بالاحترام، من المؤسف أيضاً أن نسجل غيابا شبه كلي للحصص الثقافية خاصة تلك التي تهتم بالقراءة والفكر والأدب، وهي مواضيع ينبذها المشاهد الجزائري و يحصر كل اهتمامه على الحصص ذات التوجه الاجتماعي التي تفضح الناس أمام الملأ ولا تحاول دراسة الظاهرة في أطر تنظيمية علمية ينشطها أهل الاختصاص.

حاورته:سامية حميش