» أعمدة » الـمُعَلِّم والنُّكْتَــة وصِنَاعَة الـنَّمَوْذَج

الـمُعَلِّم والنُّكْتَــة وصِنَاعَة الـنَّمَوْذَج

علي خفيف

54 مقال
منذ شهرين حجم الخط طباعة |

غالبا ما لا تكون النُّكَتُ التي تنتشر في الـمجتمع عفويّة ولا بريئة، فهي تُنْسَجُ في مـخابِرَ خاصَّةٍ بعناية فائقة، ثمّ يُرَوَّجُ لها بوسائل ماديّة وبشريّة كثيرة، ويكون الهدف منها هو توجيه الرأي العام وصناعة مِـخْيَالٍ جـمعيّ سلبيّ تـجاه قضيّة ما، سيّاسيّة كانت أو اجتماعيّة أو فكريّة..

فليس ببعيد عنّا، مثلا، ما كان يتمّ تداولُه من نُكَتٍ ساخرة حول الرئيس الشاذلي بن جديد وسياساته في نهاية الثَّمانينات، من أجل صناعة رأي عام يتقبّل فكرة تـَخَلِّيهِ عن الرئاسة فيما بعد..

وفي الحقيقة ما رأيت موضوعا كَثُرتْ فيه النُّكتة عندنا مثل الـموضوعات الثلاث التَّالية: الرئيس الشاذلي بن جديد والـمُعَلِّم والـمرأة!.. قد يكون القاسم الـمشترك بين هذه الـموضوعات يتمثّل في أنّ كلّ واحد منها يـمثّل سلطةً، يجب أن يتمّ التّحكّمُ فيها بعناية حتى لا تَفْلُتَ من السيطرة، وَلَوْ بتشويه صورتـِها!.. فالرئيسُ يـمتلك قوةَ الشّرعيّة، والـمـرأةُ تـمتلك سلطةً اجتماعيّة وروحيّة لأنـّها نصف الـمجتمع ومربيّة النصف الثاني منه، والـمُعلِّمُ يـمتلك قوّةً رمزيّةً أهمَّ من قوّة الـمال والسُّلطة إنـها قوّة الأفكار والعلم والقدوة.. لذلك كثيرا ما يكون دور الـمعلّم مكمِّلا لدور الـمرأة في توجيهه لكل شرائح الـمجتمع، فالأسرة والـمدرسة متكاملتان في التربية والتأثير..

لقد تناولتُ في مقالاتٍ سابقةٍ دلالاتِ استهدافِ الـمرأة بالنُّكتة، وسأتناول اليوم بعضَ خلفيات استهداف الـمُعلِّم بالسُّخريّة، فقد لاحَظْتُ بعد جمعي لعدد كبير من النّكت في الـموضوع أنـها لا تـَخْرُجُ في عمومها عن وصف الـمعلّمين بالبخل الشّديد!.. فمنها على سبيل الـمثال، نكتة تقول إنّ أربعة معلِّمين ذهبوا إلى البحر معاً، وتراهنوا فيما بينهم على أنّ الذي يـَخْرُجُ أوَّلاً من تحت الـماء هو الذي يدفع ثـمن الغداء، فماتوا جميعا ولـم يـَخْرُجْ منهم أحدٌ!..

الـموت عند الـمعلم أهون من دفع ثـمن الغداء!.. لقدْ جـَمَعْتُ نِكَاتٍ كثيرةً تنسُجُ على هذا الـمنوال لا تكفيني مساحة الـمقال لذكرها، ولكن لا شك أنّ كُلَّ جزائريٍّ يَعْرِفُ عشراتٍ منها.. ويبقى الأهم هو: ما خَلْفِيَةُ ودلالاتُ وجود عَددٍ هائل من النُّكَت التي تصف الـمُـعلّمين بالبخل؟ إنـهم حين يُشِيعُون هذه النُّكَتَ التي تُظهر أنَّ كلَّ الـمعلمين بـخلاء، إنـما يريدون تـحويل انتباه الناس وتوجيه انطباعاتـهم حول قيمة الـمعلم ودوره في الـمجتمع، فبَدَلَ أنْ يتداولوا فكرةَ أن الـمُعلِّمَ مهضوم الـحقوق وأن راتِـبَه غير لائقٍ مُقَارنَةً بغيره.. وأَنَّ الـمُشْكِلةَ تَكْمُنُ في الـمنظومة السيّاسيّة التي أفْقَرْتْ الـمُعَلِّم ماديّا ومعنويّا.. يـُحَوِّلُون انتباههم عن طريق بيداغوجيا السخريّة إلى أنّ الـمشكلةَ في الـمُعلِّم نَـفْسِه وفي ما جُبِلَ عليه بالفطرة –خلاف بقيّة خلق الله- من بـُخْلٍ ووَضَاعَةٍ في النفس تـجعلُه يبدو فقيراً رَثَّ الحال، لا يـمكن أن تظهر عليه النِّعمةُ.. وأنّ غير الـمعلّمين مـِمَّنْ يـمتلكون الفيلات الفخمة ويركبون السيارات الفارهة يتميّزون عليهم بالكرم وحُبِّ الإنفاق وشكر الله على نعـمته “وأمّا بنعمة ربّك فحَدِّثْ” خلافا للمعلّمين ذوي النفوس الـشّحيحة التي تـَكْفُرُ بالنِّعْمَةِ ولا يـُمْكِنُ أن يَظهرَ عليها الخير!.. وليس وراء ذلك في الحقيقة سوى تحطيم صورة الـمُعَلِّم معنويّا حتى لا يكون أُنـْموذجاً يـُحْتَذى، لكي لا يُـنافسَ نـماذجَ أخرى تَـتِمُّ صناعتُها بالـمال وبأشياء أخرى لتصبحَ هي الـمهيمنةُ، ويعطونـها من البَهْرَج والـمساحيق، ما يـجعلُ الأجيالَ الـمُعْدمةَ ثقافِيّاً تتمنّى أن تصير مثلَها وتتقرَّبُ إليها وتُقدِّمُ لـها الولاء.. لأنّ أُنـْموذَجَ العِلْمِ لـم يَعُدْ صالحاً لأن يُطْعِمَ الخبز ويـَجْلِبَ الأضواء!..

نشر