» أعمدة » هل التّعليم قطاع غير منتج؟

هل التّعليم قطاع غير منتج؟

علي خفيف

46 مقال
منذ 4 أسابيع حجم الخط طباعة |

يدور النّقاش في بداية كلّ سنة حول قضايا كثيرة تخصّ الـمنظومة التربويّة، ولكنّه يُهمِلُ قضيّةً جوهريّةً، هي مكانةُ قطاع التّعليم كَكُلٍّ في الـمجتمع الجزائري، ودورُه في التنميّة الوطنيّة، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات منها: كيف نحكم على أنّ التعليم قطاع منتج؟ وما هي قيمةُ الـمعلِّم رجُلِ القطاع الأول الـمادّيّة والـمعنويّة في المجتمع؟ وهل يـُمثِّل في الواقع أُنـْمُوذَجاً يتمنّى النّاسُ أن يصير أبناؤهم مثلَه، أم هو أنـموذجٌ لإثارة الشفقة وقلّة التّقدير؟!..

يبدو الأمر بسيطا للإجابة عن هذه التّساؤلات: ألم يجرِّبْ كلُّ واحد منّا رؤية ابنه أو أخيه وهو يدخل الـمدرسة أوّلَ مرّة، لا يعرف كتابة أو قراءة حرف واحد، ولا يحسن التّعبير على أفكاره ومشاعره، ولا يـمتلك رُؤْيةً للعالـم؟.. وبعد أشهر قليلة يصبح هذا الطفلُ الذي كان صفحةً بيضاءَ قادرا على كتابةِ الحروف، وقراءةِ الكلمات، ويتعلم الـمعاني وتركيب الجمل، ثمّ يتدرّج في التَّعَلُّمِ حتى يصبح قادرا على قراءة النصوص وفهم مضامينها، وأثناء ذلك يتمرّس على الكلام والـمحادثة، فيكتسب القدرةَ على التعبير على ما يـجول في ذهنه من أفكار وما يـختلج في نفسه وضميره من مشاعِرَ وأحاسيس، ويتعلم الكتابةَ والإنشاءَ، فيكتب نصوصا سليمة مُعبِّرةً على واقعه، وقادرةً على الإبلاغ والإيضاح، ويَظَلُّ يتطوّرُ مع الأيام حتى يكتسب ذائقةً جـماليّةً، فيصبح يدرك جـمالَ اللغةِ وسِحْرَها وبراعةَ الأساليبِ وبَلاغَتَها، فيمتلك القدرةَ على التأثير وتحريك الـمشاعر.. ويـمتلك القُدرةَ على الوصف والحوار والنقاش والـمقارنة والتحليل والتفكير والنقد… حينها يصير الأمِّيُّ الأبْكَمُ إنسانا كاملا، بليغاً مُفَكِّراً..”.. كذلك كنّا من قبلُ فَمَنَّ اللهُ علينا”..

لقد كنّا جـميعا مثل هذا الطفل الأمّيّ الذي حوّله الـمعلّمون إلى إنسان، جعل الله تعالى من آياته أن علّمه البيان “..خلق الإنسانَ علّمه البيان”.. أليست هذه هي أقصى درجات الإنتاجيّة؟ فهل يوجد قطاع أكثر إنتاجية من التعليم؟ وهل يوجد من يجب تقديرُ دورِه الإنساني والاجتماعي أكثر من الـمُعلِّم؟.. إننا إذ نُقدِّرُ عملَ الطبيبِ الذي نـُحْضِر إليه الطِّفْلَ الـمريضَ فيعالجه حتى يشفى، ونُقَدِّرُ عملَ الـمهندسِ الذي يصلح أعطال الآلات.. فكيف لا نُقَدِّرُ عملَ الـمُعلِّم الذي يأتيه الطفلُ أبْكَمَ جاهلاً، فيصلح أَعْطَالَهُ، ويردّه متعلّما فصيحا قارئا ومفكّرا، ويصنع منه الطبيبَ والـمهندسَ والقاضي والصحفي والـخبير والأستاذ الجامعي والوزير؟!..وكيف أتى على الـمعلِّم حِينٌ من الدهر، أصبح فيه هؤلاء جميعا ومن ورائهم الـمجتمعُ ينظرون إليه بعين الشَّفقة وقلّة التّقدير الـمادّي والمعنوي؟!..

في اليابان لأنـهم يُقَدِّرون الـمعلّم، جعلوا أجرته تقدّر بحوالي 8000 دولار أمريكي شهريا، وهي أعلى من أجرة وزير، ولذلك تنتج منظومَتُهم التربويّة حوالي 5000 عَالِـماً مقابل كل مليون نسمة، وقريب منه في أمريكا وجنوب إفريقيا والهند وكوريا الجنوبيّة وبعض الدول الأوروبية حيث راتب الـمُعلِّم يفوق 6000 دولار أمريكي شهريّا..

أما عندنا حيث لا تقدير لدور الـمُعلِّم  فتشير بعض الإحصاءات إلى وجود حوالي 200 عالـِم مقابل كل مليون نسمة، ما يعني أنّ عدد الوزراء والوزراء السَّابقين أكثر بكثير من عدد العُلَماءِ عندنا!.. ولا أريد أن أذْكُرَ كَمْ يتقاضى الـمُعلِّمُ عندنا بالدولار الأمريكي، كما لا أريد أن أقارن راتِـبَه بغيره من القطاعات، حتّى لا أُثِيرَ مزيدا من مشاعر الشَّفَقَةِ تـُجَاهَ الطَّبَقَةِ الأكثر إنتاجيّةً في الوطن.

نشر