» أعمدة » الـمدرسة الجزائريّة والـمقاربة بالكفاءات

الـمدرسة الجزائريّة والـمقاربة بالكفاءات

علي خفيف

54 مقال
منذ 3 شهور حجم الخط طباعة |

يتمّ النّقاش في بداية كل سنة حول عمليّات الإصلاح التي عرفتها منظومتنا التربويّة، وما مدى جدواها واقعيا، وأود هنا أن أثير النقاش حول الـمقاربات المنهجيّة التي اعتَمدتـْها الـمدرسةُ الجزائريّة، فهل انتقلنا فعلا إلى مقاربات جديدة؟ أم أننا لا نزال نراوح مكاننا الأول دون وعي أو هدف؟ وما تأثير ذلك على مستوى ونوعية التعليم؟ مذكّرا أن الـمدرسة الجزائريّة ما فـَـــتـِــئَتْ تعلن أنـها انتقلت -بفعل الإصلاحات- بين عدّة مقاربات أهـمـّها الـمقاربة التقليديّة التي تعتمد على الـمحتوى، والـمقاربة بالكفاءات، وبينهما وُجِدَتْ مقاربات أخرى بأهداف وسيطيّة.. وفي ما يلي تعريف مُبَسَّط بجوهر الـمقاربتين الأساسيتين يُسَهِّل للقارئ متابعة مردود الإصلاح:

تعتمد الـمناهج التقليدية على الـمقاربة بالـمحتوى، وهي تقوم على شحن أدمغة الـمتعلمين بـمجموعة من الـمعارف والـمعلومات عن طريق التّلقين القائم أساسا على الحشو والتحفيظ، ومن أهم خصائصها أنـها: تَـعــتَبِـرُ استظهار الـمحتوى هو الـمعيار الأساسي في تقييم الـمتعلم، وتركّز على دور الـمعلِّم، وكميّة الـمعلومات التي يقدّمها إلى الـمتعلّم الذي يستقبلها بشكل سلبي، بحيث يصبح عبارة عن وعاء، يُشبِّهُهُ بعضُ الباحثين بِـبَنْكٍ تُودَعُ فيه الـمعلومات، حيث تُشْحنُ ذاكرتُه بـمعلومات كثيرة لا يستَـثْمِرُها كلُّها في تطوير واقعه، لأن هذه الـمقاربة تعتمد على درجة تذكّر الـمعارف لا على توظيفها، وتكتفي بتلقين معارف نظريّة، قد تعود بالنفع المعنوي على صاحبها، ولكنها لا تساهم في حل مشاكل المجتمع، وهو السبب الذي جعل بعضهم يتوهّـم أن قطاع التعليم غير منتج!..

أما الـمقاربة بالكفاءات: فتقوم على الـمعرفة النفعيّة، وتربط العمليّة التّعليميّة بالواقع، شعارها “لا نتعلّم لنعرف فقط بل نتعلم لكي ننجز” لأنـها تربط بين مبدأي الاكتساب والأداء، ولذلك تهتم بمدى انعكاس الـمعارف إيجابيا على الـمجتمع، وتعتبر الطالب هو محور العملية التعليميّة: فهو يمارس، ويجرّب، ويطبّق معارفه.. ويحقّق مهاراتٍ عمليّةً تنعكس نتائجُها إيـجابيّا على مـُحيطِه.. على عكس الـمقاربة بالـمحتوى التي كثيرا ما تكون مضامينُها مفصولة عن الواقع، ويلعبُ الـمعلِّمُ فيها دورا أهمّ من الـمُتَعلِّم.. بينما يقوم منطق التعليم في الـمقاربة بالكفاءات على: ما هي الفوائد العمليّة للمعارف التي يكتسبها الـمتعلم؟ وما مدى قدرته على تطبيقها في واقعه اليوميّ؟.. ومن خصائص هذا التوجه الاهتمام بتنميّة التّفكير النّقدي ليصبح الـمُتَعلِّمُ فاعلا أساسيّا، لا منفعلا فقط، فهو يناقش، ويحاور، ويحلّل، وينتقد، ويجرّب، ويقدّم حلولا واقعيّة… وبالتالي يـُحَضَّرُ الطالبُ إلى امتلاك العقل النقدي بعد وصوله إلى الجامعة، من أجل إنتاج الـمعرفة (الإضافة العلميّة) وليس إعادة تدوير الـمعرفة على طريقة “بِضَاعَتُكُم رُدّتْ إليكم” التي لا تتجاوز رصف الاستشهادات الـمقتطعة من الدراسات السابقة، حتى أصبح بعضهم يتوهّم أنّ جودة البحوث تقاس فقط بكثرة مراجعها!..

أخيرا: يـمكن القول إن التفريق بين الـمقاربتين السابقتين يمكن الوقوف عليه أكثر من خلال التقويم وطريقة طرح أسئلة الامتحانات والـمسابقات، وقد لاحظتُ في مقال سابق عنوانه “تساؤلات على هامش البكالوريا” أن أسئلة الامتحانات ما زالت تعتمد على تثمين طريقة “بضَاعتُكُمْ رُدَّتْ إليكم” بينما تُـهمِلُ قياسَ الـمهارات والاهتمام بتنميّة التفكير البراغماتي والنّقدي القائم على التحليل وإبداء الرأي والتجاوز والإبداع الذي يُبْرِزُ بصمات الطالب.. ما يعني أننا لـَمَّا نَـنــتَقِلْ بعدُ إلى جوهر الـمقاربة بالكفاءات.

نشر