الطيب بن ابراهيم

      السياسة تَبنِي وتَهدِم، وجل الأزمات التي عرفها العالم في النصف الثاني من القرن الماضي كانت بسبب سياسة الحرب الباردة التي اندلعت بين المعسكرين عقب الحرب العالمية الثانية، المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها، والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي وحلفائه، وكون ذلك الانقسام شكّل خارطة سياسية جديدة للعالم، خريطة ذات بعد إيديولوجي بين المذهبين الرأسمالي والشيوعي، المتنافسان بشراسة، والمستعملان لكل الأدوات والوسائل ما عدا الحرب المسلحة المباشرة، وهو ما أطلق عليه الحرب الباردة التي كادت أن تتحول إلى حرب عالمية حقيقية أكثر من مرة بسبب الأزمات المتلاحقة، واستمرت تلك الحرب طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، لتنتهي مع نهايته، وتنتهي معها أزماتها السياسية باستثناء الأزمة الكورية.

أدى تقسيم العالم بين المعسكرين إلى تقسيم الشعب الواحد إلى شعبين، والدولة الواحدة إلى دولتين، بل المدينة الواحدة لمدينتين كحال برلين الغربية وبرلين الشرقية، فأصبحت هناك فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية ،وألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، والصين الديموقراطية والصين الشعبية، واليمن الشمالية واليمن الجنوبية، وكل طرف من الطرفين كان إما تابعا للغرب بزعامة أمريكا أو تابعا للشرق بزعامة الاتحاد السوفييتي، وهذا قبل انبثاق حركة عدم الانحياز سنة 1961 التي كانت تضم الدول الحديثة الاستقلال والتي تزعم تأسيسها الزعماء: جمال عبد الناصر المصري وأحمد سوكارنو الأندونيسي، وبروز تيتو اليوغسلافي ونهرو الهندي، والتي حاولت أن تنتهج طريق الحياد بعيدا على ضغوط المعسكرين المتنافسين.

ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، انتهت جل تلك الأزمات والانقسامات بتوحد دولها، بعضها عن طريق الحرب كما حدث بتوحيد الفيتنام الشمالية والجنوبية سنة 1975، وبعضها توحدت عن طريق السلم والتفاوض والحوار كما حدث للألمانيتين سنة 1990، ولليمنيتين سنة 1990.

وتبقى الأزمة الكورية عالقة، وهي من أعقد الأزمات الدولية التي قد تفجر السلم والأمن العالميين في أي لحظة، خاصة أن هذه الأزمة تجاوزت حدودها الإقليمية وأصبحت تهدد ليس أمن جيرانها الأقارب ككوريا الجنوبية واليابان، بل مناوئي سياستها الآخرين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب تهديدها المتواصل باستعمال  الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وبعد تجاربها النووية المتكررة التي أرعبت جيرانها.

لا زالت بيونغ يونغ، تراهن على السباق العسكري والتجارب النووية رغم انهيارها الاقتصادي، ورغم عروض المساعدات التي طرحت أثناء الحوار بينها وبين شقيقتها الجنوبية برعاية أمريكا مقابل تخلي بيونغ يونغ عن برنامجها النووي، إلا أن الجهود باءت بالفشل بسبب عدم جدية الحوار وعدم ثقة الطرفين وحلفائهما في بعضهما البعض، وعادت الأزمة لنقطة البداية.

ويبقى التساؤل المطروح قائما، هل فعلا تتوحد الكوريتان وينتهي الصراع القائم بينهما وبين حلفائهما، وكيف يتم ذلك التوحد، هل بالطريقة الفيتنامية، وهو استعمال القوة العسكرية؟، وهل بالصيغة الفيتنامية نفسها بانتصار الفيتنام الشمالية على الجنوبية ودخول قوات هانوي إلى عاصمة الجنوبيين سايغون، أم تتم الوحدة بين الكوريتين بالنموذج السلمي الألماني واليمني.

ومن جهة أخرى، هناك سؤال آخر أهم من الأول، وهو هل قرار توحيد الكوريتين قرار كوري كوري بحت، أم هو قرار مشترك بين الكوريتين وحلفائهما، خاصة أن بقاء الأزمة قائمة يخدم مصالح حلفائهما أكثر، فلا يمكن لروسيا والصين أن تتخليا بسهولة على شريك إستراتيجي في تحالفهما، وورقت ضغط ومساومة و”ابتزاز” سياسي في وجه أمريكا وحلفائها، كما أن من مصالح أمريكا وجود قواتها وقواعدها في اليابان وكوريا الجنوبية، قريبا من روسيا والصين، زيادة على صفقات بيع الأسلحة بمليارات الدولارات كما حدث في الأيام الماضية مع كوريا الجنوبية.

رغم التهدئة الواضحة من قبل حلفاء بيونغ يونغ التقليديين، روسيا والصين، إلا أن هذين الأخيرين لن يذهبا بعيدا إذا جد الجد ويتخليا عن حليف إستراتيجي وورقة رابحة ككوريا الشمالية الواقعة على حدود الصين وعلى مرمى حجر من روسيا، وأن خطأ روسيا مع ليبيا القذافي وسماحها لأمريكا وحلفائها بإسقاط نظامه لم ولن يتكرر، وهو ما أكدته الأحداث مع الحليف السوري رغم كل الضغوط الدبلوماسية والحملات الإعلامية.

والحقيقة هي أن الدول الكبرى ذات النفوذ والتأثير الإقليمي والدولي هي التي افتعلت الكثير من تلك الأزمات، وهي التي تحرص على بقائها الذي هو ضمانٌ لبقاء نفوذها ومصالحها، وعندما يسود السلم والأمن والأمان العالم معناه ركود سوق الأسلحة، والاستغناء على تدخل ونفوذ القوى العظمى العالمية.