» أعمدة » أمي مريضة!!

أمي مريضة!!

رياض بن وادن

148 مقال
منذ شهرين حجم الخط طباعة |

إني عاجز عن الكتابة، ليس هذا فقط، بل عاجز عن فعل أي شيء مما اعتدت على فعله في غربتي. فجأة مرضت أمي شفاها الله، فاضطررت أن أترك كل ما بيدي، لأتفرغ لها، والتنقل بها من المستشفى بين مختلف أقسامه، فآلام الرأس بسبب ارتفاع الضغط لم يبرحها ولو للحظة منذ ثلاثة أيام أو أربعة، فأنا اليوم حارسها ليل نهار، أتابعها واحرص على أن تتناول دواءها في وقته، وعلى قضاء رغباتها وحاجاتها.

وأثناء هذا النشاط الذي لا أتمناه لأحد، من ذهاب لمرات عديدة إلى المستشفى، قسم الإستعجالات، وقفت على مشاهد مؤلمة، فوضى عارمة، عنف في الكلام وفي التصرفات، لا إحترام ولا تقدير، فإكتشفت أُمّا أخرى مريضة، أُمُنا جميعا، الوطن مريض، الوطن في صحة غير جيدة!!.

قطاع الصحة، خاصة الخدمات الاستشفائية التي تقدم للمرضى، قطاع جدّ مهم، حيث لا يقل أهمية عن قطاع التعليم أو القطاعات الأخرى، يعاني كثيرا، ولا يعكس بتاتا مجهودات الدولة فيه، ولا وقوف المسؤولين وتعدد الوزراء الذين مروا عليه، أوساخ في كل مكان، نظافة منعدمة، بقايا الدماء في كل جهة، أجهزة طبية قديمة، أسِرة متهرية، كراسي لغير القادرين على الحركة مفككة ومرمية على جانب، هرج ومرج وصياح دون مراعات لحالة المرضى، ولا لضرورة توفير لهم الهدوء والراحة!!.

فرغم ما قرأت عبر الجرائد من تدهور لقطاع الصحة في بلدنا، ورغم تلك الفيديوهات التي شاهدت على مواقع التواصل الإجتماعي تصور حالة الخدمات الإستشفائية، لم أكن أتصور بأن الحالة تصل إلى ما وقفت عليه بأم عيني، فالوضع بدا لي وكأننا نعيش في غابة، أو أن المستشفى في حالة حرب، أو أننا دولة فقيرة لا تملك مالا لمثل هذه الخدمات، أو كأننا في وطن لا قانون ولا نظام ولا واجبات يجب أن تطبق وتتبع؟!.

ما رأيته خلال هذه الأيام أذهلني كثيرا، فأنا لم أعشه منذ عقدين من الزمن، لم أكن أتصور بأن الأوضاع أخذت هذا المنحى، منحى اللامبالاة والفوضى وانعدام النظافة، فتأكد لي بأن ما نعيشه من تخلف في التسيير وانتشار للفساد، ومن ضعف في الممارسة السياسية، ومن غياب للصرامة في تطبيق القانون، ومن حاجة للوطن في انطلاقة صحيحة، وقطيعة مع الممارسات الحالية في جميع القطاعات، هو واجب على كل مواطن ليدفع إلى التغيير، إلى الأحسن بكل قوة وإصرار، وعلى الدولة أن تراقب وتطبق القانون وتحارب الفساد والمفسدين، وإن لم نفعل فحتما سيشتد المرض على كل جسد “أُمّنا” الوطن، وعندها لا نلوم إلاّ أنفسنا إذا إنهار أمام أعيننا.

الأم مريضة، دعواتنا لها جميعا بالشفاء العاجل.

نشر