الدكتور قادة جليد أستاذ جامعي و باحث أكاديمي

الجزائر

يشهد العالم العربي و الإسلامي اليوم وضعا قاتما مقلقا و مصيرا مجهولا مفتوحا على كل الاحتمالات الممكنة , و أصبح يعيش تحديات جديدة تهدد وجوده الراهن ، ولقد أصيب جميع المثقفين العرب و الشعوب العربية بخيبة أمل و تحصر وهم يتابعون الأوضاع المأساوية التي تعيشها بعض الدول العربية و الإسلامية مع تبخر الأحلام في تحقيق النهضة العربية المأمولة و التقدم المنشود، انه رغم التراكمات الكبيرة للمشاريع النهضوية العربية على اختلاف ألوانها و مشاربها من قومية و إسلامية و تقدمية و علمانية إلا أنها لم تحقق الطموح العربي في النهوض و البناء و العودة إلى مسرح التاريخ.

لقد عشنا الحلم العربي و نحن طلبة و أساتذة في الجامعات العربية نقرا بتفاؤل وانفعال و أحيانا بنرجسية زائدة أعمال مالك بن نبي و الجابري و هشام جعيط و اركون وحسين مروة و طيب تيزيني و قسطنطين زريق و حسن حنفي و هشام شرابي و محمد باقر الصدر وكل المثقفين العرب أصحاب المشاريع الفكرية الكبيرة، إن كل هذه المشاريع لم تحقق الأهداف المرجوة منها في إحداث القطيعة و تحقيق النقلة الحضارية المنشودة، فلقد تراجع الحلم في تحقيق الوحدة العربية التي ناضل من أجلها الكثير من المثقفين و المفكرين القوميين و هذا مقارنة بالراهن و الواقع المعاش و خرافة الربيع العربي أو بالأحرى مؤامرة الربيع العربي التي  أدت إلى تفكيك الدول الوطنية القطرية و التي كنا نعتقد أنها البداية الأولى والمرحلة الأولية في تحقيق الوحدة العربية وهذا بعد استرجاع السيادة الوطنية من المحتل الأجنبي , كما أن الحلم بتحقيق الوحدة الإسلامية أصبح يعيش نفس المصير تقريبا ’و  هذا بعد تقسيم العالم الإسلامي على أساس طائفي و مذهبي وإثارة الفتن وسفك الدماء و تدمير الدول باسم الإسلام و لصالح الطائفة أو المذهب و هذا كله يحجب حقيقة الإسلام و يعطي صورة سيئة عن العرب و الإسلام و المسلمين حتى أصبح الإسلام محجوبا بالمسلمين . إن هذا الوضع المضطرب و الأسئلة الحارقة التي تطرح نفسها بقوة حول المصير و المألات القادمة تدعونا اليوم ومن جديد إلى مراجعة الذات وتقييم المسارات، لان كل امة عندما تجد نفسها في مفترق التاريخ و عندما تفقد المعالم الأساسية و الروح العامة فإنها تميل بالطبيعة إلى انجاز قراءة جديدة و متجددة لمساراتها تكون في مستوى التحديات و المسؤولية التاريخية من اجل تدارك الخلل و نقاط الضعف, لأن كل ما هو واقعي عقلي كما يرى هيجل, أي أن كل ما يحدث في الواقع له أسباب تفسره على مستوى الفكر، و هذه دعوة موجهة ومسؤولية ملقاة على عاتق كل المثقفين العرب صناع الوعي والتاريخ على اختلاف مرجعياتهم الفكرية و الإيديولوجية, لان الأمة اليوم في خطر, سواء سميتها الأمة  العربية أو الأمة العربية الإسلامية لا فرق بين  هذا و ذاك في نظر الدوائر المتربصة التي استثمرت في ضعفنا و جهلنا و غفلتنا و نصبت الشراك لنا و أحكمت قبضتها وهي اليوم تتلذذ بعذاباتنا و جراحنا و ماسينا و أصبحنا اليوم كعرب واقصد النخب  السياسية بشكل خاص و بعد أن كره بعضنا الأخرأصبحنا نحل مشاكلنا الداخلية و الإقليمية  بإعلاء السلاح و صوت  الرصاص و الحصار الاقتصادي و السياسي بغض النظر عمن هو المصيب او المخطئ في هذه المسالة فانا أقيم الوضع العربي و الإسلامي بشكل عام.

أعتقد أننا على صعيد الواقع نعيش نكسة حضارية أعمق وأشد من نكسة 1967 ولابد أن نتحرك كأفراد وجماعات وكمثقفين لتجديد الوعي بأنفسنا من نكون، من أين جئنا والى أين نحن ذاهبون؟

إنها مهمة النخب و الشعوب بصفة عامة و مهمة المثقفين بالدرجة الأولى، ولكن المثقف الملتزم و ليس المثقف المستقيل أو المستسلم، المثقف الاحتجاجي بالمعنى الايجابي و ليس المثقف المهادن التابع للسلطة القائمة لتبرير الوضع القائم الذي يقودنا إلى الكارثة , فالمثقف العربي و المسلم اليوم كما يرى الدكتور محمد أركون ” ملزم بالتواجد الكامل في كل القطاعات الساخنة التي يحسم فيها المصير التاريخي للمجتمع الذي ولد فيه و لا يمكنه أن يهرب من المسؤولية أو يدير ظهره لما جرى و يجري”

فالمثقف العربي مسؤول رغم الاكراهات و التضييق و التخويف وكل أشكال التعسف الممارسة ضده إلا أنه يجب أن يقوم بوظيفته ولا يفكر في مغادرة وطنه أو التزام الصمت المطلق , و أنا أعني هنا المثقف النقدي الذي يهتم بمسألة المعنى داخل الفضاء العام أو بتعبير محمد أركون ” ذلك الرجل الذي يتحلى بروح مستقلة، محبة للاكتشاف و التحري و ذات نزعة نقدية و احتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط” ولا ينبغي للمثقف العربي أن يقارن نفسه بالمثقف الغربي لأن هذا الأخير قد تجاوز مجتمعه مرحلة الانعطافات الكبرى و الأزمات الحادة , انه يعيش في دولة المؤسسات المستقلة عن ارادة الأفراد و القائمة على دولة الحق و القانون و المواطنة و احترام حقوق الانسان و الفصل بين السلطات , في حين أن المثقف العربي لا يزال مجتمعه   يجر وراءه خلافات الماضي ومشاكله إلى الحاضر ناهيك عن مشاكل الحاضر و أسئلة المستقبل و مطالبه الملحة، مجتمع تحارب فيه العقلانية باسم التراث و الديمقراطية باسم الدين و حقوق الإنسان و المواطنة باسم الشريعة، مازلنا نعيش التلفيق بين التراث و العصر , بين الأصالة و المعاصرة , مازلنا نفتقر إلى الإبداع و الاجتهاد لتجاوز هذه الثنائية التي عمرت طويلا في فكرنا العربي المعاصر. فلا يمكننا  أن نتقدم اليوم إذا لم يكن لنا وعي بأسباب تخلفنا، إن هذا الواقع التراجيدي الذي يعيشه العالم العربي و الإسلامي اليوم لا يعني أننا غير مسؤوليين عنه, رغم مسؤولية الأخر و نعني به الغرب و دوائره الرسمية وليس الشعوب، فهذا الغرب ينظر إلى الإسلام و المسلمين و الحضارة العربية الإسلامية كمنافس إيديولوجي مستقبلي و هذا بعد انهيار النظام الشيوعي و لقد أكد هذه الحقيقة الكاتب الأمريكي  فرانسيس فوكوياما المقرب من الدوائر الرسمية الأمريكية في كتابه نهاية التاريخ وكان قبل ذلك قد كتب مقالة بنفس العنوان سنة 1989 في مجلة The National Interest حيث يخلص فوكوياما في تحليلاته في صورة المحذر أن الإسلام هو المنافس الإيديولوجي الوحيد للغرب على الصعيد المستقبلي، ولكن الإسلام الذي يعنيه فوكوياما ليس إسلام المسلمين اليوم ولكن الإسلام كقيم ثقافية و روحية و إنسانية و رؤية للحياة و الوجود و التاريخ و الثقافة الإسلامية الزاخرة التي خلفها الآباء و الأجداد في كل الفنون و المعارف و التي كانت مصدر الهام للإنسانية جمعاء خاصة عصر النهضة في أوروبا , و أخيرا و ليس آخرا أعتقد أننا أمام عثرة تاريخية مؤقتة و أعتقد أن هذه الأزمات ستوقظ العملاق النائم مصداقا لنظرية توينبي في التحدي و الاستجابة و لأن منطق التاريخ يقول أن الشعوب العظيمة هي التي تخرج منتصرة من أزماتها , و على رأي الدكتور فهمي جدعان “إن وعي واقعة الانهيار هو شرط الدخول في دور جديد يدعى أبناؤه إلى تخطي الواقعة و إلى السير في طريق التقدم و نحو الأفضل” و بالتالي يكون الوعي بالتخلف هو وسيلة من أجل التقدم  ,أما حركة التاريخ العالمي وعلاقتنا بالغرب فبودي أن أشير إلى نظرية مؤرخ الحضارات الإنجليزي أرلوند توينبي الذي يرى أنه من المؤشرات على انحلال الحضارات و الإمبراطوريات هو أن هذه الأخيرة تشن حروبا غير مشروعة على العالم و أعتقد أن العالم سيتشكل مستقبلا خارج التخطيط الغربي و سوف يتجاوز التاريخ مركزية الغرب مصداقا لما يسميه الفيلسوف الألماني هيجل مكر العقل و التاريخ