يسين بوغازي

لعل الاتحاد المغاربي الفكرة، والاتحاد المغاربي المشروع السياسي الخماسي، أعلي ضمن التجليات التاريخية المغاربية الكبرى، تجليات أنضجت على أماني ومآلات ما تلا الفكرة الأولى منذ القديم ومنذ الحقب وفي أحلك فتراته الأكثر آلاما التي أوصلته ساحات الاستقلال المغاربي وإلى إعلانه الرسمي اتحادا مغاربيا.

لعل الجزائر الدولة والتاريخ صاحبة فضل لدفعه نحو الإنجاز رغم ما روّج له قبل الإعلان وخلاله وبعده من أفكار عدم التماثل التي حاول عبرها بعض المتربصين التقليل من حرارة الاحتضان الجزائري لهذه الفكرة وكبح جموح الاندفاع الوحدوي الذي ميّز القيادة الجزائرية فيما تلا وفاة الرئيس هواري بومدين.

فبما أضافته الخطوات الجزائرية في مجالات الدبلوماسية والضمانات للعديد من الاتفاقيات والوثائق في طريق البناء الاتحادي، كانت منذ الأحلام الثورية الأولى إلى الأحلام الراهنة تحاول ترميم الهدم وإعادة إحياء روح الانتصار للفشل الاتحادي، وبما التزمت به أيضا سياسيا في وضوح المواقف وجرأة الإقدام كالسكوت على بعض الممارسات في العلاقات أومحاولة نسيانها لأجل عيون الاتحاد، وبما أعطته الروح الجزائرية من سند قوي لا يلين لكي يقف اتحادا دون إعطاب ولا اهتزازات، اتحاد مجسد في اليومي المغاربي عبر التسهيلات والتفاهمات والإجراءات التي كانت تنتظر، وقد كتبت على الأوراق التي أضحت أكواما من الاتفاقيات تنتظر التنفيذ كي تجعل يوميات المغاربيين أنفسهم أكثر سعادة ونفعا، المغاربيين كلهم من قاطنة جغرافيا مغاربية حزينة لم ترد الجزائر أن يبقى الاتحاد مجرد فكرة قصاصات كتبت على الأوراق البيضاء.

كل مسارات الاتحاد تُعلي في أدق تفاصلها الحضور الجزائري وترفعه عند منعطفات حاسمة في فترات التفكير والتأسيس والإعلان كدور مهم لا يطاله شك بحكم الموصفات الاستثنائية التي تجمعها الجزائر اقتصاديا وثقافيا وعسكريا، فالمغرب العربي الأوسط  أوالدولة الجزائرية التي ارتبط اسمها وتاريخها وموارها بالفكرة الاتحادية، كانت حاضرة في تفاصله الصغيرة والكبيرة، وفى اشتباكاته الخطيرة والهيئة، وحاضرة بصداها التاريخي وعنفوانها الثوري وبإمكانياتها الاقتصادية المهولة وجغرافيتها الشاسعة وديمغرافيتها الأثر مغاربيا والأهم بتاريخها الثوري المشرف..

الجزائر بوابة إفريقيا، والجوهرة المتوسطية والتاج الاتحادي المغاربي، وإنها بما تشهد من مراكز بحثية متخصصة الأقوى عسكريا، هي الأغنى موردا فهي بلا منافس لها في الفضاء المغاربي.

علاوة على الجنوح الجزائري التاريخي على المبادئ والأخوة وحرمة الجوار ضمن منطق الأشقاء، سيما وأن المغاربيين جيران تقاسموا معا فيما سلف ضريبة المعاناة عبر التاريخ  في الكنف الإسلامي الحنيف ولغة عربية وعادات وتقاليد بحسب الخصوصيات على كل حال.

في المقلب الآخر، تقف المملكة المغربية الجارة الشقيقة ضمن الفكرة الاتحادية وضمن الجغرافيا المغاربية على النقيض تماما، فمؤرخون وإعلاميون وكتّاب أثاروا دورا غريبا عجيبا تلتزمه المملكة تجاه الجارة الجزائر، وأنه دور يريد الإبقاء على إثارة البلبلة وبث الإشاعات على المدى الإستراتيجي لإضعاف في النهاية الجارة الشقيقة؟، هذه توصيفات قد لا تليق أيضا في كتابة تعلى الفكرة الاتحادية، لكنها للأسف الشديد هي توصيفات متوفرة في الحالة المغربية تجاه جارتها الجزائر.

ورغم انخراط المملكة المغربية في المسار الاتحادي وفكرته منذ القديم أيضا، وأن النخبة المغاربية ومثقفين مغربيين ضحوا بأعمارهم في سبيل الاتحاد المغاربي، إلا أن ما تلا من ممارسات كانت واضحة الأركان، ممارسات انتهجتها المملكة المغربية تجاه الجارة القوة الإقليمية كما توصف، كانت تستهدف في الحقيقة إفشال المجهودات الاتحادية وغيرها على خلفيات صراع سياسي لم ينته؟!.

مؤرخون أرجعوا ذلك كله إلى ما يسمونه بقضية الصحراء الغربية، وأن هذه القضية لنا معها كتابة قادمة ضمن هذه السلسلة.

عموما يرجع المؤرخون أسباب هذه القضية الشائكة إلى أن التاريخ  المغاربي الحديث أوضح بالأدلة أن المغرب كان يضمر السوء للجارة الجزائر قبيل حتى انفجار القضية الصحراء الغربية، فالمملكة تكاد تنفرد بحصرية أن تكون الند المشاكس لانشغالات الجزائرية في فضائها المغاربي.

قد يكون لما بين الدولتين من حشاشات وإشكالات سببا لتلك المواقف الغريبة، لكن أن تتجاوز غرائبية المواقف وتصبح بمثابة جهود معلنة لإفشال الاتحاد المغاربي، وإلصاق فشله بالجزائر، فهذا لا يقبل أبدا؟.

كذلك القرار الملكي المفاجئ الذي اتخذه الملك المغربي محمد السادس سنة ألفين واثنين من الألفية الجديدة، قرار بعدم حضوره  إلى أشغال القمة التي كانت مقررة أن تجرى في الجزائر، مما أدى مباشرة إلى إفشال أشغال القمة، وبالتالي أبقاها مرفوعة  رهن الانتظار إلى اليوم، إن لم يكن هذا السلوك الملكي المغربي تخريبا، فماذا سيكون إذن!.

إن المملكة المغربية وبشهادة الأحداث التاريخية التي سبقت وتلت، هي الأكثر تخريبا للعلاقة الثنائية والعلاقات المتعددة الخماسية بين الدول الاتحادية الخمس، سيما تجاه المبادرات والجهود الجزائرية، بل الأقسى من هذا كله أن المملكة المغربية قد خاضت حروبا عسكرية شنتها على الجزائر منذ الاستقلال، لعل حرب الرمال المتحركة الشهيرة في جدول الصراع العسكري  خير شاهد على ما كان. لقد كانت حرب الرمال ربما الأشرس فيما وقع، وفي مواقع أخرى كادت الأمور أن تخرج على السيطرة كأم غالة 1، وأم غالة 2، وهما النموذجين الأكثر تخريبا لهذه العلاقات (7)، علاوة على إشكالات حدودية افتعلت عن حق مرّة، و عن باطل استفزازي في أحايين كثيرة. إشكالات لعبت عليها منذ الاستقلال كرفعها خرائط قديمة جدا تعود إلى العهد العثماني في وجه الجزائر المستقلة للمطالبة بترسيمات جديدة على ضوء تلك الخرائط (8)، فيما أهملت المملكة المغربية نفسها خرائط أخرى ممضاة حديثا مع الفرنسيين المحتلين، وتتحدث على ذات الحدود بترسيمات خرائط ذات مصداقية دولية على ذات القضايا، ثم أن اتفاقيات ممضاة بين الدولتين نصت على التزامات ضمن اتفاقيات وبضمانات إقليمية دخلت حيز التنفيذ على كل حال، لقد تكفلت المملكة المغربية بأن تكون ندا مخربا، بممارسات حالت دون الرقي الطبيعي للفكرة الاتحادية المغاربية وأن تلصق كل تلك الإشكالات بالجزائر كما أسلفنا.

ففيما ترفع قضية الصحراء الغربية كأعظم المعوقات التي تشل الاتحاد وتحول دون استمراره من قبل مثقفين ومحللين سياسيين من المملكة، تقول الوثائق إن هذه القضية تم تجاوزها حين الإعلان الرسمي للاتحاد. إنها القضية التي لا ترقى أن تكون عائقا أمام الاتحاد المغاربي، بدليل أن حروبا عسكرية مغربية شنت على الجزائر قبيل حتى ظهور قضية الصحراء الغربية ووادي الذهب وما تلا.

يتبع …