» أعمدة » نحن في حاجة إلى ثورة أخلاقيّة

نحن في حاجة إلى ثورة أخلاقيّة

علي خفيف

42 مقال
منذ أسبوع واحد حجم الخط طباعة |

 

إن المتأمّل في واقعنا اليومي يدرك حجم الرّدّة الأخلاقية التي أصبحتْ عائقا هائلا أمام أي محاولة للتنميّة، ويمكننا أن نعطي بعض الأمثلة التي كَتبتْ عنها الصحافة وأصبحتْ شائعة، على سبيل المثال لا الحصر، لأنّ مساحة المقال لا تكفي لذكر كثير من الأمثلة الحقيقيّة التي تدلّ على حجم الهوّة الإنسانيّة السّحيقة والـتّراجع الأخلاقي الذي يعيق تقدّمنا ومنها مايلي:

أن تـموت أمٌّ حاملٌ رفقة جنينها في الجلفة بعد أن تنقّلتْ مستغيثة بين عيادات ومستشفيات مختلفة، وكانت في كل مرّة تطرد وتصدّ بلا رحمة أو ضمير، ويصبح النّاس يتحدّثون على مهنة الطب النبيلة، كما يتحدّثون عن التّجارة والتّجار، بعد أن كانت هي المهنة الأكثر إنسانيّة، لأنّ مهمّتها هي أن تدفع الضر عن الناس !..

أن يـقوم بعض الفلاحين والمستثمرين بسقي الـمحاصيل الزراعية بالميّاه الـملوّثة ثمّ يقومون بتسويقها بشكل عاديّ طلبا للربح بشتى الوسائل، أو أن يتسبّب بعضهم بحرق غابات بأكملها، بعد أن يقوم بحرق بعض أشجاره وبقايا محاصيله بنفسه، ثـم يذهب للتبليغ لدى الجهات المختصّة على أنـها احترقتْ بفعل مجهول من أجل أن يحصل على تعويض من الدّولة، ويُصرّح بضياع عشرات الأضعاف مـما قام هو بحرقه بنفسه!..

أن يغشّ بعضُ التّجار يوميّا ويقومون بالتدليس في السّلع بشكل عادي وعلني، حتى إذا قلتَ لأحدهم إن السّلعة المعروضة تختلف عن السّلعة التي قمتَ ببيعها لي، يقول لك أنا اشتريتها هكذا مغشوشة، وعليك أن تشتريها أنت أيضا هكذا ولا يجب أن تتكلّم !..

أن يعتدي مراهقٌ منحرفٌ على امرأة، فيقوم باختطاف حقيبة يدها أو مجوهراتها أمام مرأى الجميع، ثـم ينطلق هاربا دون أن يتجرّأ أحد على توقيفه، خوفا من ردّة فعله، بحجة أن لا يلقي الإنسان بنفسه في الـمشاكل أو بحجة “تخطي راسي وتفوت”!..

أن يتحدّث النّاس على بعض اللجان الخاصّة بقراءة جوائز ومسابقات ثقافيّة بأنّها لا تركّز على تقييم الأعمال بقدر ما تركّز على اعتبارات أخرى ليست علميّة ولا فنيّة، ويـتحدّثون على بعض الامتحانات والـمسابقات العلميّة والمهنيّة التي تُعدَّل فيها النتائج عدة مرّات لسبب أو لآخر، حتى وصل الأمر ببعضها أن عُدّلت نتائجُها بعد شهور من التحاق النّاجحين بمناصبهم!..

أن لا يصبح العمل قيمةً ثـمينةً، فتعم البيروقراطيّة والاستغلال، فيتنقّل الـمواطن يوميا بين عشرات الـمكاتب والإدارات من أجل أن يقضي حاجة له، فلا يتم قضاؤها ويعيش أياما طويلة في دوامة من الذهاب والإياب دون فائدة.. ويتنقّل التّلميذُ إلى الـمؤسّسات التربويّة يوميّا ولا تُقدّم له الدّروس بشكل كاف، ليتمّ دفعُه بشكل أو بآخر إلى الدراسة على حسابه في شكل دروس إضافيّة للدّعم!..

هذه بعض الأمثلة فقط..حين كنت بصدد تسجيلها تذكّرتُ قصّةً قرأتـُها في صغري عن السلطان مـحمّد الفاتح، لا أدري مدى مصداقيتها ولكنني سأذكرها لدلالتها، تقول القصّةُ إنّ محمد الفاتح لما قرّر أن يفتح القسطنطينيّة أراد أن يختبر مدى استعداد شعبه للقيام بمثل هذه المهمة الكبيرة، فأخذ يتجوَّلُ متنكّرا في الأسواق، وكان لمّا يذهب يشتري من عند تاجر يمتنع على البيع له قائلا: اذهب واشتر من عند زميلي التاجر الآخر فأنا بعْتُ اليوم بما فيه الكفاية، بينما زميلي لم يبع كثيرا وسلعته جيّدة مثل سلعتي!..حين وَجَد محمد الفاتح خُلقَ الإيثار منتشرا في الأسواق، أدرك أنّ شعبه أصبح مهيّأ أخلاقيّا للقيام بإنجاز عظيم هو فتح القسطنطينية..ما أصدق القائل:

إنّـما الأمم الأخلاق ما بقيَتْ…فإن هم ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا.

نشر