» أعمدة » المدينة الجزائريّة والموت البطيئ للإنسان

المدينة الجزائريّة والموت البطيئ للإنسان

علي خفيف

47 مقال
منذ 3 شهور حجم الخط طباعة |

إذا زرت أيّ مدينة من المدن الـجزائريّة خلال الصائفة فإنّك تصطدم بالـحجم الـهائل من الصّخب والاكتظاظ والفوضى وغياب المرافق الضروريّة للراحة والتّسليّة..فلا شيء غير السيّارات التي ضاق بها الـمكان وأصبحتْ لا تجد الـمساحات الكافية التي تستوعبُها للتوقّف، فقد تضطر إلى اللّف والدّوران لمدّة طويلة في الشّوارع الضيّقة والطّوابير الطّويلة دون أن تجد مكانا تركن فيه سيارتك!..ثم لاشيء بعد الأعداد الهائلة من السّيّارات غير الإسمنت المسلّح والبنايات، فكل الجيوب والـمساحات الصّغيرة التي كانت تفصل بين بناية وأخرى قبل سنوات قليلة قد بُنيتْ وغزاها الإسمنت المسلّح !.. ولا أثر للمساحات الـخضراء والتشجير، ولا وجود للسّاحات العامّة الـمُهَيَّأة للراحة والجلوس وتمضية الوقت، ولا مرافق للريّاضة، كما أنّك لا تجد مكانا مناسبا تتصفّح فيه الجرائد، فضلا عن قراءة كتاب أو التّأمّل والتّفكير.. فلا تستطيع حتى تسجيل بعض الأفكار والملاحظات التي تخطر ببالك وتحتاج إلى تقييدها، حتى لا تفلت منك وتنساها تحت ضغط الاختناق والحرارة والاكتظاظ والضجيج والأوساخ!..لقد قرأتُ كثيرا عن مقارنات يثيرها الذين زاروا مدنا أوروبيّة فيتحدّثون عن منظر الناس في تلك المدن وهم يقرأون الكتب والروايات في محطّات القطار والميترو وفي الساحات العامّة وفي المقاهي وفي أمكنة كثيرة، ويقارنون تلك الـممارسات والطقوس القرائيّة بالقحط الفكري وانعدام أيّ مظهر للقراءة عندنا، فلا ترى أحدا يحمل كتابا إلا في أيّام الـمعرض الدّولي للكتاب وبصورة استعراضيّة ومباهاة تعبّر عن تشوّهات وعقد نفسيّة  أكثر مـما تعبّر عن سلوك سليـم وحبّ للقراءة والفكر، فقد يشتري الواحدُ كتبا ليصور أغلفتها ويضعها على صفحته في الفايسبوك ويقول إنه اشتراها بمبلغ كذا وكذا من أجل المباهاة والاستعراض، دون أن يرى أحد بعد ذلك أي مظهر للقراءة وفي أيّ مكان من الأمكنة!..قد يقول قائل: ما علاقة الحديث عن المدينة والاكتظاظ والاختناق والسيّارات الكثيرة والإسمنت المسلّح بالإنسان والقراءة والفكر والتحضّر؟..الحقيقة أنّ العلاقة وطيدة، فطبيعة التهيئة في الـمدينة تؤثر على عادات الانسان وسلوكه.. وضيقُ مدننا واكتظاظها يجعل المواطن ضيّقَ الأفق، نزقا، سريع الغضب، سريع الخصام، بذيء الكلام، غير متعوّد على ترك المسافات بينه وبين غيره ما يجعله لا يراعي المقامات، لأنّه تَعوّدَ على أنْ لا مسافة بينه وبين الذين يتقاطع معهم في الأماكن الضيّقة جغرافيّا، فلا فرق بين كبير أو صغير، امرأة أو رجل، عالم أو جاهل، نبيل أو حقير، ولا حُرْمةَ لأحد..كل الناس سواسيّة.. فلا مسافات ولا احترام في الأماكن الضيّقة التي ينحشرُ فيها جميع البشر وتلتصقُ أجسادهم مثلما هو الحال في الاصطبلات!.. بينما يـختلف الأمر في المدن الواسعة التي تحتوي على مساحات خضراء، وساحات عامّة مهيّأة، ومماشي للراجلين فقط، وفيها مكتبات عامّة ومسارح ومرافق كثيرة ثقافيّة وريّاضية، ووسائل نقل متعدّدة، حيث لايضطرّ الناس إلى أن يتكوّموا فوق بعضهم في حافلة تشبه محشرا للحيوانات مثلا..في مثل هذه الـمدن فقط، لابدّ أن تـُحتَرمَ المسافات وتُراعى الخصوصيّاتُ والرتبُ الاجتماعية والمقامات، ويُفرضُ الاحترام فلا يتجرّأ أحدٌ على أن يقتحم الفضاءَ الحيويّ لإنسان آخر فيلتصق بجسده أو يتنفس في وجهه!.. كما لا يستطيع رجلٌ أن يطيل النظرَ في امرأة لا يعرفها بطريقة غير محترمة، ولا يستطيع حقيرٌ أن يتطاول على شخص محترم!..لأنّ لكل شخص فضاءَه الخاصَّ به.

نشر