» أعمدة » المجد للبنات

المجد للبنات

علي خفيف

46 مقال
منذ 3 شهور حجم الخط طباعة |

كتبتُ عقب خروج نتائج امتحانات نهاية التعليم المتوسط الذي كانت النتائج فيه فارقة جدا لصالح البنات، موضوعا عنْونتُه بـ “لماذا يتفوّق البناتُ على البنين؟” ومما أثار انتباهي أنّ البنات أصبحن يتفوّقن في جميع الـمواد، وليس كما كان شائعا بأنّ البنات يتفوقن في مواد الحفظ فقط، بينما يتفوق الذكور في المواد التي تعتمد على الذكاء..وهاهي نتائج البكالوريا تؤكّد من جديد التحوّل الكبير الذي بدأ يفرض نفسه منذ سنوات عديدة، حيث جاءتْ نسبة النجاح فارقة جدا لصالح البنات، فقد أثبتَتْ الأرقام نجاح 65٪ من البنات مقابل 35٪ فقط من الذكور!..والـملاحظ لحفل التكريم الذي أقامه الوزير الأول على شرف المتفوقين – أو على شرف المتفوِّقات بالأحرى- يمكنه أن يلاحظ الـهيمنة التامّة للبنات على المكان، كما أنّ صاحبة أعلى معدّل على المستوى الوطني هي الطالبة بلاسكة خولة من ولاية سكيكدة التي حصلتْ على معدّل يُقدّر بـ 19,21.. ولتوكيد الفكرة أكثر يـمكن أن نأخذ عيّنةً من ولاية سكيكدة نفسها التي منها صاحبة أعلى معدّل، فإنّنا نجد المراتب الستّ الأولى كلّها تسيطر عليها البنات، ولا يختلف الأمر عليه كثيرا في بقيّة الولايات!..   ولا أريد أن أعود إلى ذكر أسباب تفوق البنات وتحليلها هنا، فقد حاولتُ فعل ذلك في المقال المشار إليه أعلاه ويـمكن العودة إليه في موقع الجريدة أو في صفحتي على الفايسبوك لـمن أراد..ولكنّني أُلفِتُ الانتباه إلى أنّ تـحوّلا هامّا سيحدث في الـمجتمع الجزائري، وقد بدأ يـَحْدُثُ نتيجة التفوق الـملحوظ الذي تصنعه الفتيات والذي سينجـم عنه تأنيث كثير من القطاعات والوظائف الحيويّة، ما يؤدّي إلى تـهميش الأولاد الذكور وتقليص دورهم في الـمجتمع بحشرهم في مساحات ضيِّقة للقيام بالأعمال التي تتطلّب مهارات عضليّة فقط غالبا!..وهو ما قد يفتح الـمجال لصراع لسنا في حاجة إليه، وما زال الـمجتمع غير مؤهّل لتقبّله، إذ بالأمس القريب فقط كان المجتمع يَسْخرُ من الولد الذي تتفوّق عليه البنتُ فيردِّدُ النّاسُ على نطاق واسع الـمثلَ الشعبيَّ القائلَ: “عايشة خير من عيّاش” في شكل سخريّة مرّة من كلِّ من ينهزم أو يُبدي ضعفا مهما كان نوعه أمام امرأة أو بنت، وأذكرُ أنَّ المعلّمين والأولياء في جيلنا كثيرا ما كانوا يُعَيِّرون بهذا الـمثل الطلابَ الذين يتحصّلون على علامات أقلّ من البنات !.. ولا أريدُ أن أذهب بعيدا في تحليل الـمَثَل الشعبيّ الداعي صراحةً إلى تجهيل المرأة، والقائل: “ما تعَلَّمْ بنْتَكْ حْروفْ ما تسكَّنْها غْرُوفْ” وفيه دعوة إلى ترك البنات جاهلات دون تعليم وعدم إسكانهن في غرف مريـحة حتى يتعوّدْنَ على شظف العيش، ولا يتعوّدنَ على النِّعم، لأنّ النِّعَمَ تُفْسدُ المرأةَ وتُخِلُّ بتربيّتـها ودورها في خِدْمة الرجل، تماما كما يفسدها تعلّم الحروف في العرف الشعبي!..وللقارئ هنا أن يتصوّرَ كيف ينقلبُ الـحالُ حين تتأنّثُ كلُّ الوظائف المرموقة وتسيطر عليها البناتُ بفعل تفوِّقهن عن جدارة واستحقاق، ويتكفّلُ الذكور بالأعمال الشّاقّة وشظف العيش، ليكونوا في خدمة الـمرأة بسبب تقاعسهم في الدراسة؟!..إنها دعوة إلى الأولياء ليهتموا بمتابعة دراسة أبنائهم الذكور حتى لا يتعمّق الخلل ونفقد التوازنَ الاجتماعي، ومن أجل مصلحة بناتهم المتفوّقات جدّا على الذكور أيضا، حتى لا يضطروا إلى تزويجهنّ ممـّن ليس كفؤا لـهنّ في الـمستوى العلمي والمِهني، الأمر الذي تنجمُ عنه مشاكل كثيرة نفسيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة.

نشر