» أعمدة » الفساد مسألة ثقافيّة بالأساس

الفساد مسألة ثقافيّة بالأساس

علي خفيف

42 مقال
منذ شهر واحد حجم الخط طباعة |

قبل أن نحارب الفساد يجب محاربة صناعةِ ثقافة الفساد المنتشرة بين جميع الطبقات الشعبيّة بمختلف مستوياتها وتوجّهاتها، حتى أصبحت تمثّل عقلا جمعيّا كما يلي:

منذ أن يكون الطفل في سنواته الأولـى يثَمِّنُ فيه أبواه سلوكَ الاعتداء على حقوق الآخرين، ويـسمُّون ذلك “شطارة”..فالطفل الذي يستولي على ألعاب الأطفال الآخرين ولو بالعنف يقولون عنه “ولد شاطر” أو هو “قافز” باللهجة الجزائريّة..ويقولون عنه “إيـجيب حقو” فهو في نظر العقليّة الشعبيّة إيجابي ومتميّز و “فحل”!.. وفي كل ذلك مدح وإطراء لسلوك الاعتداء على حقوق الآخرين وتعنيفهم… مع مرور الوقت يبدأ الولد يكبر ويخرج إلى الشارع، فإذا كان مشاغبا ومشاكسا وماكرا ومراوغا وأنانيّا و”حقارا”، ويـمتلك مهارة “الفُتوَّة” و”السّطو” واستغلال أغراض أقرانه، دون أن يتنازل على شيء من أغراضه، يعتبرونه شاطرا و”فحلا” وناجحا، أمّا إذا تنازل على شيء من أغراضه إلى أحد أصدقائه فيصبح “مْكَلَّحْ” و”بوهالي” و”جايح” ويصبح مسكينا يـُخْشَى على مستقبله .. تتوسع هذه التربيّة عندما يخرج الولد إلى المجتمع، فيتباهى التلميذ “الشّاطر”حين يحصل على درجات جيّدة في الدراسة بالغش أمام أقرانه ويعتبرونه “يعرف صْلاَحُو”!.

يَعْتادُ هذا التلميذ “الشاطر” على توظيف مَلَكَاتِهِ و”مكتسباته العلميّة في الهفّ والشّطارة” حين يصبح موظَّفاً فيدخل متأخرا إلـى مكتبه ويتحايل للخروج مبكّرا قبل نـهاية الدوام، يُضِيعُ الوقتَ، ويحْسِنُ مراوغةَ المواطنين من أجل أن يجعلهم يذهبون ويعودون مرات عديدة لأنه متقاعس عن قضاء مصالحهم، فيتحول ضمن هذه الـمنظومة الاجتماعيّة التي ما فتئتْ تُـثـمِّن سلوك “الشّطّار”

-بالـمفهوم السلبي للكلمة- إلى نموذج بيروقراطي ممتاز!..ثُـمَّ يمكننا أن نتخيّل كيف تتوالد منها نماذج أخرى من الاختلالات على شكل متواليات هندسيّة، حين يصبح واحدا من أمثال النّموذَج السَّابق مقاولا كبيرا يغشّ في الـمشاريع، أو يصبح مديرا كبيرا، أو أستاذا كبيرا، أو مُـثَقَّفا كبيرا، أو مُـشَرِّعا كبيرا، أو.. سيؤدّي الأمر مع مرور الوقت إلى صناعة نـموذج معيّن للفرد الذي يتّصف بالأنانيّة و”الفتوّة” ولا يهتـمّ بالقانون .. كـما يؤدّي إلـى صناعة نـموذج للسّلوك الاجتماعي الـمختل الذي يعتمد”المراوغة” و”السّطو”و”الإغارة”!..والـمُحَصِّلةُ: أن الفساد ضارب أطنابه في عمق الطبقات الاجتماعية لأسباب تاريخيّة ونفسيّة بعيدة الغور قد تمتد أسبابـه فـي العقل الجمعي الباطن إلى العصر الجاهلي حيث لا وظيفةَ للفرسان سوى “الغزو” وحيث ظلّت الثّقافةُ الشعبيَّةُ والأشعار تصنع مثل هذا الوعي الـمنحرف، في مثل قول عمرو بن كلثوم:

بُغَاةٌ ظالـمونا فما ظُلِمْنَا…ولكنّا سنبدأ ظالـمينا!..

كما قد ترجع أسبابه إلى التعويض الشَّرِه على الحرمان والغبن والكبت والقمع الذي يعود إلى جحيم الحقبة الاستعماريّة..إنّ مُعالـجة الفساد تتطلب منظومةً متكاملةً تبدأ بالتربيّة السَّليمة وتشترك فيها كل خلايا الأمّة، ابتداء من الأسرة إلى المدرسة والـمساجد ودور الثقافة والإعلام، إلى الـجمعيات والأحزاب وصولا إلى السلطة..لأن محاربة الفساد بالقانون وحده لا تكفي ما دام الوعْيُ مـُحَرَّفاً.. إنه يجب صناعةُ منظومةٍ من القِيَمِ الجديدة التي تؤسِّس لصناعة وعـيٍ جديد وإنسانٍ جديد مختلف.

نشر