» أعمدة » أخرجوا المرأةَ من دائرة الصراع

أخرجوا المرأةَ من دائرة الصراع

علي خفيف

54 مقال
منذ 5 شهور حجم الخط طباعة |

قرأتُ في هذه الأيام في الصحافة وفـي  مواقع التواصل الاجتماعي كتابات عن حـملات غريبة مصحوبة بتصرفات طائشة تقودها أطراف متعاكسة يجمع بينها ضيق الأفق والعناد.. كان شعار إحدى هذه الحملات “استري نفسك” وهي موجّهة إلـى الـمرأة الجزائريّة، من أجل دعوتـها إلى اللباس الـمحتشم أثناء ذهابها إلى البحر، غير أن الغريب في الأمر، أنّ هذه الدعوة لـم يكن سبيلها النصيحة والنقاش والإقناع بالتي هي أحسن.. فقد اتخذ أصحابـها سبيلا آخر غريبا منحرفا، فراحوا ينتهكون خصوصيات العائلات ويصورون كل امرأة يـجدونها على الشاطئ، ثم يتداولون تلك الصور على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، اعتقادا منهم أنّ في ذلك ردعا للكثيرات حتى لا يذهبن إلى البحر !..وبغض النظر عن سؤال هؤلاء: من يكونون؟ أو من خوّل لهم التدخّل في شؤون غيرهم؟ وبأيِّ حقّ؟  فإنّ في سلوكهم انحرافا وعنفا وجرأة على انتهاك خصوصيات وحرمات العائلات، لا يساويها في ضيق الأفق إلا سلوك الذين أخذوا زمام المبادرة للقيام بحملة ثانيّة مضادّة، أطلقوا عليها تسميّة “واش دخلك!..” تقوم على الدعوة إلى تجميع آلاف الفتيات والنسوة اللواتـي يقبلن التحدّي عن طريق السّباحة في مكان واحد بالـمايو والبيكيني ولباس السباحة.. في رد فعل على أصحاب دعوة “استري نفسك” يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، وتقوم منهجيته على النضال من أجل حقوق المرأة بواسطة الأجساد العاريّة نكايةً في الجميع!..

على دعاة الحملتين، الذين يتقاطعون في خصوصيات نفسيّة وعقليّة كثيرة، أن يدركوا أنّ الثقافة التي كانت قائمة على منطق “من يمتلك جسد المرأة هو الذي ينتصر فـي الأخير!..” ليست دائما صحيحةً..لأنّ الذي ينتصر في الأخير هو الذي يمتلك عقل المرأة وفكرها..ويـمتلك قلبها وعاطفتها..إن الذي ينتصر في الأخير هو الذي يمتلك حنان الـمرأة وروحها.. يمتلك صدقها وحبّها..

إنه يجب على الجميع أن يعرف أنّ الصّراع الذي يراد له أن يكون في مجتمعنا هو في الحقيقة بعيد عن موضوع المرأة، فهو ذو أبعاد فكريّة ولغويّة وسيّاسيّة بالأساس، ولكنّهم يقحمون المرأة في جحيمه لتكون وسيلةً للصراع وشرارةً للفتنة..وفي ذلك استغلال مقيت للمرأة لا يختلف كثيرا في رأيي عن استغلال الأطفال في الحروب!..

إنّ أسلوب الذين يحاولون في كل مرّة أن يتخذوا من المرأة وسيلة لإثارة الصراع في المجتمع ليس جديدا، وهو يهدف إلـى استغلال الـمرأة من حيث يوهم بالدفاع عن قضاياها.. لتكون النتيجة أن تدير النساءُ الصِّراعَ بالوكالة عن أطراف أخرى، ومن أجل قضايا أخرى لا علاقة لـها بواقعها وبقضاياها الحقيقيّة، ولا بأس أن تستغِلّ الجهاتُ الـمتصارعةُ أثناء ذلك أجسادَهنّ على الشّواطئ وسيلةً لتأجيج الفتنة.. في زمن لم يَعُدْ فيه للحروب شرفٌ ولا نبلٌ!..

نشر