» أعمدة » زردة سيدي الغزالي

زردة سيدي الغزالي

ساعد ساعد

62 مقال
منذ 5 شهور حجم الخط طباعة |

وحين تبدأ الأرض تضع زينتها باللون الأخضر والأحمر والأصفر كتباشير لقدوم فصل الربيع، تؤنسنا أصوات الطيور في كل صباح، تزقزق وتغرد وتبني أعشاشا بإحكام مبهر بمخلفات أعشاب دقيقة على أطراف الأودية وفوق الأغصان وأعمدة الكهرباء..كنا ونحن صغار نحتفي بها وتشعرنا بالأمان، خاصة إذا كانت بالقرب من البيت، فهي دليل على عدم وجود الثعابين والحيات، هكذا كانت تقول أمي، لكن الطيور كانت تهجر أعشاشها إن لمست بيضها يا سبحان الله، لذلك كنا نتحرى عدم المساس بها، فقط تبهرنا طريقة البناء المتقن لأعشاشها. في الصباح الباكر من يوم الجمعة، في العادة تنطلق جموع من النسوة فرادى وجماعات إلى مقبرة سيدي الغزالي…لم أكن استرق السمع، ولكن أسمع حديثهن كأنهن أمامي، فهذه تتحدث عن فلانة بنت فلانة بنت بنت أخ فلان بدقة متناهية، والأخرى تتحدث عن تفاصيل دقيقة في بيتها..كان الأمر لا يهمني أو لايرقى تفكيري إلى استيعاب ما تقلن، خاصة وأن امي لم تذهب ولا مرة قط.. لكن كانت تزينني أنا وإخوتي بملابسنا الجديدة المخبأة من العيد الماضي، لنذهب في اليوم الموالي لزردة سيدي الغزالي..كان يوما خاصا العطاء فيه يملأ المكان طعام ولبن وحلويات وقراءة القرآن من الساعات الأولى بعد الفجر، تذبح يومها أكثر من ذبيحة، خاصة العتاريس ذات القرون ،كان منظرها وهي معلقة توحي بالفرح والخير…كان الزوار يأتون من كل مكان حتى من العاصمة وولايات أخرى، فهذا يبكي يطلب فك السحر وآخر يطلب الدعاء للإنجاب…كان الناس على جهلهم أبرياء، يدعون للخير دون ضرب للكف أو خزعبلات بعض المتصوفة… يزورن قبر الشيخ الغزالي، كنت اتبعهم لاعبا وأحس بقدسية المكان وسط القبور، كان يسود صمت رهيب مع قراءة الفاتحة.. أحسست بالعطش مع كثرة الحلويات دلوني على (عين العباد)، حاولت أن أقلد الكبار في الشرب فسقطت. ااااي.  

نشر