أبدى الدكتور محمد بغداد تفاؤله بالخطوات التنظيمية التي يعرفها قطع الإعلام في بلادنا، والتي من شأنها دفع عجلة التطور إلى الأمام، معتبرا أن رسائل الحكومة الأخيرة هي بمثابة الدعامة التي تستند عليها التجربة الإعلامية الجزائرية، كما تحدث الإعلامي محمد بغداد، في هذا الحوار عن غياب الإعلام الديني المختص، وهو ما ينبئ بأن القادم أخطر إذا بقيت الفوضى هي المعيار الذي يسيّر هذا المجال، كما تحدث عن جمعية العلماء المسلمين، ورأيه في فيلم ابن باديس، وما عرفته الجامعة الجزائرية في الآونة الأخيرة من أحداث عنف.

 

*يجري الحديث عن تنظيم قطاع السمعي البصري، ما هي قراءتكم لذلك؟

– المؤشرات الأولية التي جاء بها مخطط برنامج الحكومة، والرسائل المتضمنة في خطابها، يؤكد أن انفراجا مهما ستعرفه الساحة الإعلامية الوطنية من حيث الحصول على خطوات وإنجازات منتظرة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم أكثر للمشهد الإعلامي، وذلك عبر التجسيد الميداني لقوانين الإعلام، وظهور هيكلية جديدة للعمل الصحفي، وهو الأمر الذي ينتظره الإعلاميون منذ مدة، لتكون مهامهم جارية في إطار تنظيمي واضح، وتجاوز الكثير من المشاكل والتعقيدات والغموض والتعسف من كل الأطراف، ويستفيد الجميع من الوضعية التنظيمية التي تتيحها النصوص القانونية، كون ذلك سيكون إضافة نوعية تنتظرها الممارسة الإعلامية الوطنية. وإذا تحقق المأمول من الرسائل التى أعلنتها الحكومة، فسيكون ذلك بمثابة الدعامة التي تستند عليها التجربة الإعلامية الجزائرية في مواجهة التحديات الكبرى التي تفرضها التحولات الداخلية والإكراهات الدولية المفروضة من قبل الثورات التكنولوجية الاتصالية الحديثة.

 

*أنجزتم دراسة حول الفتوى في الأزمة القطرية، ماهي النتائج التي توصلتم إليها؟

– هذه دراسة حالة (حكم الله ..ورطة الفقهاء في الأزمة الخليجية)، نشرت في مركز برق للدراسات والأبحاث، وهي دراسة من بين مجموعة من الدراسات التي اشتغلت عليها في المدة الأخيرة، تتناول أبرز الأحداث والقضايا والظواهر الطارئة، والتي لها تأثير واسع، وتجلب إليها انشغال الفئات الحية والمؤثرة في المجتمع، خاصة متابعة انشغال هذه الفئات المعبر عنها في الفضاءات ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تشكل المساحة الأهم للتعرف عن انطباعات وهموم وانشغالات ومواقف الفئات الحية، وهي المادة الإعلامية المهمة، التي بقدر ماهي مؤثرة في المسار العام لتطور الأحداث والقضايا، فإنها بحاجة ماسة إلى الملاحظة والدراسة المتخصصة، والاستفادة منها لمعرفة الأنماط التعبيرية الجديدة في المجتمع، وهي المحاولة التي أقوم بها من أجل تقديم إضافة معرفية إلى رصيد التجربة الإعلامية، كوني أعتقد أن المرحلة الحالية التي بلغتها التجربة الإعلامية الجزائرية تفرض الانتقال من مرحلة الصحفي الموظف إلى مستوى الإعلامي المثقف.

 

*كيف تنظرون إلى دور الإعلام الديني خاصة في رمضان؟

– من أهم مشكلات الممارسة الإعلامية الوطنية، عدم القدرة على الانصياع لمنطق قوانين العلم، ومناهج العمل الصحفي، والقبول بالشروط والإكراهات التي يتطلبها العمل الإعلامي المتخصص، وهنا تبرز بوضوح معضلة الإعلام الديني في المشهد الجزائري، التي يمكن حصرها في مشكلة (رسالة الإعلام الديني)، الذي تكون الممارسة الإعلامية الوطنية غير مهتمة بها أو غير قادرة على التعامل معها. وتبرز هذه المعضلة بوضوح عند المتابعة اليومية للمنتوج الإعلامي الوطني، بمختلف صيغه وأنواعه، أين نواجه ذلك الغياب الغريب (للرسالة) في الإعلام الديني، فكل المؤسسات الإعلامية تتسابق في تسويق منتوج إعلامي في موضوعات دينية، دون أن يكون لذلك المنتوج رسالة محترمة أو منطقية، أي أنها غير قابلة للاستهلاك، كونها تتعارض إما مع النفسية والذهنية الاجتماعية، أو متصادمة مع المرجعية الفقهية الوطنية، والمشكلة الكبرى أن تداعيات خطيرة ظهرت وستظهر في المستقبل الأخطر مما هو قائم اليوم.

 

*يثار في الساحة الكثير من الدعوات إلى الحرية والانفتاح والعيش المشترك لماذا لم تشتركوا فيها؟

ما تشيرون إليه، هو في الحقيقة مجموعة انطباعات وهواجس لأشخاص يطلقونها في الفضاءات التواصلية، دون أن تقوم تلك الانطباعات على مبررات معقولة، أو رؤية حقيقية، ودون أن تتوفر على الجاذبية، التي تجعلها ذات اهتمام، كونها تصر على اختراق (أزمة وهمية)، تربطها بالإسلام، وتشيع عنها أنها قائمة في المجتمع، وهي للأسف انطباعات فارغة من المحتوى الذي يجعلها تعبر عن الهموم الحقيقية للمجتمع، وبعيدة عن الحقائق الواقعية التي توجد في حياة الناس.

من جهة أخرى، فإن العمل على نشر أفكار لا مبرر لها، أو هي أصلا تتعارض مع المنطق الذي يقوم عليه العالم اليوم، وتتجاهل واقع وتاريخ المجتمع، وتراكم التجربة الاجتماعية، وتنظر إلى الناس على أنهم يتخبطون في الفوضى العارمة، وتصفهم بأنهم ضحايا اعتقادات دينية مهما كانت، بدعوات تعتقد أنها براقة وتجلب لها أضواء الاهتمام والانطباع المزاجي، تبقى مجرد أوهام بعيدة عن الواقع.

 

*كانت لكم مساهمة في رمضان حول جمعية العلماء، هل هي قراءة جديدة حول الإشكاليات التي تطرحها اليوم؟

إن هذه المساهمة جاءت تجاوبا مع إدارة جريدة “الحوار”، من أجل تقديم قراءة جديدة ونوعية في الصورة التاريخية لـ (حركة الاصلاح الجزائرية)، التي تمكنت من توفير الضمانات القوية لحماية الهوية الوطنية، وتحصين الشخصية الجزائرية ضد كل التهديدات والاعتداءات التاريخية التي استهدفتها في الماضي، وهي اليوم تتعرض لهجمات عنيفة، تتخذ المنابر الإعلامية وسيلة لها، إلا أن هذه الهجمات الحديثة، تتصف بالكثير من الابتصار، وقلة النظر والاجتزاء المعرفي، والتسلق الثقافي تحت سطوة الإثارة الإعلامية.

من هذا المنظور، جاءت المساهمة بعنون (مفاتيح السؤال)، لتكون بداية جديدة لتناول القضايا التاريخية الحاضرة، والضاغطة في الحاضر، بأسلوب مختلف يهمه السؤال الحقيقي، ويبتغي المعرفة النوعية، دون الخضوع للمواقف الانطباعية، والضغوط الإيديولوجية، والابتعاد عن التوظيف الإعلامي في مساحات الثورة الإعلامية الجديدة، التي للأسف التاريخ الثقافي الوطني محروم منها اليوم، ويتطلب القيام بالمطلوب تجاهه أخلاقيا وأكاديميا وإعلاميا.

 

* ما هي قراءتكم لفيلم ابن باديس؟

-الفيلم إضافة نوعية ومهمة للمسيرة السينمائية الجزائرية، ويشكل خطوة كبيرة في هذه الظروف، كونه عمل على الاستثمار في التراكم الإنجازي للمجتمع، في أصعب المحطات التاريخية التي بذلها وقدمها المجتمع الجزائري، من خلال نخبه الواعية التي يحسب لها فضل الإقدام والقيام بالواجب الأخلاقي والتاريخي، وما يحتاجه الفيلم هو الكثير من النقد المسؤول، والنقاش الثري العام، بعيدا عن المزاجية أو التزلف السمج، كون الأعمال الناجحة والخالدة، هي التي تظفر بالاهتمام الاجتماعي والدعم المعرفي الذي يضمن لها طريق النجاح، ومن أهم الدعم المعرفي الذي يحتاجه الفيلم، هو إزالة الصدام العنيف الذي ظهر في الفيلم، بين الحقيقة التاريخية، والصورة السينمائية، وجمالية التعبير عنها، مما يجعل الفيلم في زاوية ضيقة فنيا، وهو ما يحرمه فرصة مساندة الدعم الاجتماعي، ويوصد أمامه إمكانية ولوج أبواب احتضان المخيال الجمعي.

 

*ما قراءتكم لتصاعد العنف في الوسط الجامعي؟

العنف ظاهرة اجتماعية، لها أسبابها ومظاهر تجلياتها ونتائجها، وهي التي تحددها الكثير من النظريات المعرفية، إلا أن ظاهرة العنف، تتميز بالتوالد والتنوع والتكيف حسب البيئات التي تظهر فيها، وهي التي تكون لها في الغالب نتائج خطيرة على المجتمع، الذي تظهر فيه وما نشهده اليوم، من مستويات خطيرة من مظاهر العنف في الوسط الجامعي، هو جزء بسيط من الكثير من استشراء العنف في المجتمع، والذي يأتي نتيجة عوامل العشرية الحمراء التي لم يتم معالجة تداعياتها العميقة، مما يجعلها قادرة على البروز والظهور اليوم وغدا، وهي الظاهرة التي سيكون لها نتائج كارثية، إذا لم يتم الإسراع إلى معالجتها بالأدوات والأساليب المناسبة التي تعمل على تجفيف منابع العنف بمختلف أنواعه، الأدبي قبل المادي من المجتمع برمته، وهي المسؤولية التي تقع على المؤسسات المستأمنة على المنظومات الكبرى للمجتمع، وهي المهمة التي سيكون لها تكاليفها الباهظة اليوم، وستتضاعف تكاليفها، إذا تم تجاهلها أو تناسيها أو التهوين من خطورتها.

حاوره: سناء بلال