سنة 1926 ، ظهرت مجموعة من المقالات النارية على جريدة  الشهاب، بعنوان (أزفت ساعة الجماعة وتحرم عصر الفرد)، بتوقيع الشيخ العربي التبسي، العائد لتوه من المشرق العربي (الازهر والزيتونة)، هو الضائق بالوضعية التاريخية التى يتخبط فيها الشعب الجزائري، فكانت مقالاته، الآذان الأول الذي أطلق من أجل مشروع جمعية العلماء المسلمين، الذي يعود الفضل في الاعلان عن تاسيسها والتسويق الإعلامي والترويج الصحفي، والإقناع الفكري والتأثير النفسي بها ولها، فالشيخ العربي التبسي صاحب جسارة الشباب غير المعهودة في أبناء جيله.

الشيخ العربي التبسي، كان وراء تاسيس مشروع معهد ابن باديس، وتولى ادارته والإشراف عليه، مساهما في ترقية النشاط التعليمي لحركة الاصلاح الجزائرية، التي مدها بالكثير من الأفكار والمشاريع، بهدف ترقية مسارها التعليمي، وساهم في الارتقاء بها، إلى مصاف المؤسسات والحركات الاصلاحية والوطنية، في العالم العربي، كون الشيخ العربي التبسي، حمل منذ عودته إلى الجزائر، رؤية مخالفة تماما عما كان يتصوره بقية الصف الأول من قيادات جمعية العلماء المسلمين، فكان القائد الاصلاحي لنظرية التعليم الحديث، التى تجاوزت عنده مفهوم إزالة الأمية، وتوسعت لتصل إلى مستوى صناعة الفرد والارتقاء به إلى تحقيق كل الحقوق الشرعية، التي تجعل منه يتجاوز عقبات الاستعمار، وتدمير مشاريعه الاستدمارية.

الحيوية التي امتاز بها الشيخ العربي التبسي، دفعته الى تحدى النخب الاستعمارية في عقر دارها في باريس، عندما اصطحب الشيخ الابراهيمي، إلى فرنسا سنة  1950، فذهب إلى فرنسا للمطالبة بتحرير التعليم في الجرائر، وتخليصه من الهيمنة الاستعمارية، باعتباره حقا من حقوق الإنسان الشرعية، التي تقرها المواثيق والقوانين الدولية، وهو بذلك أراد أن يحرج النخب الفرنسية الاستعمارية، ووضعها في الزاوية الحادة، ويقيم عليها الحجة، وجعل من حركة الاصلاح الجزائرية، النموذج الراقي في مقاومة النخب الاستعمارية، وكشف عوراتها عبر التاريخ.

عمل الشيخ العربي التبسي، على انتاج صورة جديدة عن حركة الاصلاح الجزائرية، من خلال المواقف والقرارات التي اتخذها، عندما تولى رئاسة جمعية العلماء المسلمين، وهي الأراء والمواقف التي تعتبر متجاوزة للكثير من النخب المعاصرة له، حداثة وتطورا، وهي المواقف التي ظهرت بها حركة الاصلاح الجزائرية، وهي في قمة نضجها وتطورها وارتقائها إلى مستوى المستقبل، وقدرتها على فهم واستيعاب التحولات الطارئة، في المشهد انذاك.

لقد طالب الشيخ العربي التبسي، بمنع تدخل الحكومة الفرنسية في الشؤون الدينية، وابتعادها عن إدارة المساجد، انسجاما مع فلسفتها العلمانية التي تتبنها في بلدها، كما رافع كثيرا ضد الافكار التي طرحتها النخب الفرنسية، وبالذات مصطلح (الإسلام الجزائري)، والذي تمكن التبسي من تدميرها في المهد، بفضل حنكته وحدة نظره إلى أبعاد المشروع الفرنسي، مما أحرج السلطة الفرنسية ونخبها، كما حرص الشيخ العربي التبسي، على تبنى طريقة مميزة في التعامل مع التيارات والجماعات والقناعات الأخرى، من التيارات الإسلامية، فعرفت فترة قيادته لجمعية العلماء، هدوءا وإزالة الكثير من المنغصات السابقة، خاصة مع التيار الطوفي (الطرقي)، كما حرص الشيخ العربي التبسي، على رفض كل أساليب الاتصال والمفاوضات، التي أراد الاستعمار الفرنسي اقامتها معه، وبفي ينادي بأن الممثل السياسي للشعب الجزائري، هو جبهة التحرير الوطني، فكان التبسي من أهم الشخصيات الوطنية، التي احبطت مؤامرات تفتيت الثورة التحريرية، واظهر قدرا كبيرا من الوطنية والذكاء السياسي، والبراعة الدبلوماسية، فكان الشيخ العربي التبسي، من أكثر شخصيات جمعية العلماء المحرضين على الجهاد، وتحرير الوطن تحت قيادة جبهة التحرير الوطني، وهو الذي أمدها بالطاقة الروحية والفكرية، التي جعلت منه الصوت الأعلى في المعركة.

لقد كانت للمواقف التي اتخذها وأعلنها الشيخ العربي التبسي، تكلفة باهظة اوصلته إلى أن ينال شرف الشهادة، وبقى قبره مجهولا إلى غاية اليوم، فقد كسب الشيخ العربي التبسي، قدرا غير معقول من الحقد الاستعماري الفرنسي، وجعله من أكثر الشخصيات الجزائرية عداوة لفرنسا، وأشدهم خطورة على فرنسا برمتها، ولهذا فقد بالغ الاستعمار الفرنسي في بشاعة ووحشية اغتياله، بمستوى تعجز التقنيات السينمائية الحديثة، على تصوره أو التفكير في إعادة تجسيده، وهو ما يمثل الوجه البشع والصورة الاستعمارية البغيضة، التي ستبقى عالقة تشوه الحضارة الغربية برمتها، وتقدح في شرعية شعاراتها عبر طول الأزمان.