يبدو أن الوزير الأول الحالي عبد المجيد تبون جاء لإحداث تغييرات جذرية في طريقة معاملة مؤسسات الدولة مع المحيط السياسي والمؤسسات المنتخبة والفاعلين السياسيين وفق ما تنص عليه قوانين الجمهورية التي تقر على السلطة التنفيذية إلزامية عرض مخطط عملها على المؤسسات المنتخبة وتقديم حصيلتها السنوية على المؤسسة التشريعية بغية تمكين ممثلي الشعب من مراقبة الجهاز التنفيذي في إطار الديمقراطية التشاركية.

هذا التوجه في العمل السياسي والمؤسساتي ليس بالجديد حتى على الحكومات السابقة، حيث أقرت القوانين منذ سنة 1989 العمل بنفس المبدأ، غير أنها لم تلتزم جل الحكومات المتعاقبة بهذه الترتيبات والإجراءات القانونية لتمكين المؤسسة المنتخبة من ممارسة الرقابة البرلمانية بغية دراسة أعمال الحكومة، وتأييدها إن أصابت وحسابها إن أخطأت، حيث يعد البرلمان سلطة رقابية سياسية على أعمال الحكومة وتصرفاتها، حتى يتأكد من أن جميع ما تقوم به من أعمال يتم في حدود القانون ويتفق مع المبادئ الدستورية وتحقيق المصلحة العامة.

وغرست في أذهان وزراء الحكومة السابقين ثقافة عدم الخروج للعلن لتقديم البيان السنوي للسياسة العامة لعمل حكوماتهم أمام أعضاء المجلس الشعبي الوطني، الذي يتضمن عرضا عن مدى تنفيذها لمخطط عملها، والذي حظيت بالموافقة عليه من طرف البرلمان، هذا البيان الذي يزود أعضاء المجلس الشعبي الوطني بالمعلومات حول واقع أداء عمل الحكومة والإدارة التابعة لها. وهذا التقصير في الواجب الدستوري جعل المعارضة تتذمر في كل عهدة برلمانية، حيث دعت في عهدتها السابقة وزراء الحكومة تقديم حصيلة حكومتهم السنوية لمعرفة مجريات تسيير شؤون البلاد، غير أن هذا لم يجني ثمرته المرجوة، وخير دليل على صحة هذا هو “تعنت” وزير الحكومة الأسبق عبد المالك سلال الذي لم يقدم منذ أن تولى شؤون مبنى الدكتور السعدان أي حصيلة عن حكومته، ما خلق جوا من التذمر لدى الطبقة السياسية المعارضة من جهة ووسع من حجم عدم الثقة في أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية لدى المجتمع الجزائري من جهة أخرى، ولتدارك هذا التجاوز الصريح المرتكب في حق الشعب وممثليه المنتخبين، واحتراما للأعراف الديمقراطية ومبادئ دولة القانون، ها هو اليوم الوزير الأول الحالي عبد المجيد تبون يمهد الطريق لتكسير حاجز التهاون والتسيب في أداء الواجب على أحسن وجه في إطار الأحكام الدستورية المنصوص عليها، بالنظر إلى حرصه الكبير على ضرورة عرض مخطط عمل حكومته الحالية أمام نواب البرلمان لمناقشته في جو شفاف وديمقراطي.

وتأتي بذلك هذه الخطوة التي يريد من خلالها تبون المعروف بحنكته في تسيير الملفات الكبيرة والمتحكم في لغة الأرقام في عرض حصيلة عمله للتأكيد عن مدى التزامه بالقانون ومدى حرصه على إرسائه على أرض الواقع بالرغم من حملة التشويش التي طالت شخصه خلال فترة توليه وزارة السكن والعمران والمدينة التي نجح في تسييرها.

واستنادا إلى جملة المعطيات المذكورة آنفا، فإن تبون يبدو انه لن يخذل نواب الشعب في معرفة الحصيلة السنوية لنشاط الحكومة التي يتولاها.

مناس جمال