» أعمدة » فلنخرج المدرسة من دائرة الصراع

فلنخرج المدرسة من دائرة الصراع

علي خفيف

54 مقال
منذ 6 شهور حجم الخط طباعة |

 تابعتُ مثلما تابع غيري من الجزائريين أجواء الضغط النفسي التي سبقت امتحانات البكالوريا بأيّام قلائل، حيث كان كثير من الناس – لحسن الحظ – يخشون أن يتكرّر سيناريو الغش الواسع وتسريب أسئلة الامتحانات عبر الأنترنيت الذي حدث في السنة الماضية.. وإلى جانب ذلك لـمستُ أنّ هناك بعض الناس – نتمنى أن يكونوا قلّة – يتمنَّوْنَ أن يتكرّر الغشّ بطريقة أوسع وأشنع ممّا حدث في السنة الماضية!..يقفون هذا الموقف بدافع الرغبة في إلحاق الأذى والنّكاية الشّديدة في الوزيرة، ويبرِّرون ذلك بمبررات كثيرة منها  الـمعارضة ورفض التوجّه العام الذي تسير في اتجاهه الـمنظومة التربويّة..

ذكّرني موقف هؤلاء بقصّة هادفة جدا من الأدب الشّعبي الجزائري، مضمونـها أنّ رجلا من هؤلاء الذين لا يقفون مواقف عقلانيّة إذا استبدّتْ بـهم الـخُصومةُ والـخِلاف، أدركَ ليلةَ القدر التي ينزل فيها مَلَكٌ يلبـّي الطلبات  المادية لكلّ من يراه  – بـحسب الـمعتقد الشعبي الـجزائري – وغالبا ما يطلب هؤلاء القلَّةُ المحظوظون الـموفّقون إلى إدراك سر ليلة القدر، من الـمَلَكِ أن يُغنِيَهم بالأموال والكنوز..غير أنّ القصّة الشعبيّة تشذّ على القاعدة، وتـُخَيِّبُ أفقَ انتظار المتلقّي، وتجعل هذا الـمحظوظَ يطلبُ من الـملَك أن يفقأ عينه بطريقة مأساويّة، لا لشيء إلا لأنّ الـمَلَك الكريم بشّره أنه لا يطلب شيئا إلا أعطاه إيّاه على جناح السرعة، وإضافة إلى ذلك فسيعطي جارَه ضعفَ ما يعطيه هو..وهنا تـحرّك بداخله دافع الحقد والغيرة وحزمةٌ أخرى من  الأمراض النفسيّة، فطلب من الـملَك أن يفقأ له إحدى عينيْه!..لماذا؟!..من أجل أن تكون خسارةُ جاره مضاعفةً، فيفقأ له الملك عينيه الإثنتين معا، فيتلذّذ هو بطريقة ساديّة حين يرى -ولو بعين واحدة- جارَه أعمى لا يرى شيئا!..ولله في خلقه شؤون كثيرة..

ما هي دلالة هذه القصّة في السيّاق السابق؟ ..إنّ الذين يتمنّون أن يشيع الغشُّ نكايةً في الوزيرة، يتناسون أنـهم سيلحقون أضرارا بالغة بالأمّة كلّها، وأنّ الضررَ لا يصيب الوزيرةَ لوحدها، لأنّ الناجحين في البكالوريا هم كلُّ الدولة والـمـجتمع في السنوات القادمة، فمنهم طبيب المستقبل ومنهم الـمهندس ومنهم الأستاذ ومنهم السياسي، ومنهم الأب والأم، ومنهم كلُّ شرائح المجتمع..أفلا يكفي الأمّةَ ما هي فيه من مظاهر الغشّ المنتشر حاليا  في كلّ  الـمجالات، حتّى نزيد إلى ذلك تدريب الأجيال الصغيرة على مزيدٍ من الغش؟!..إذا قبلنا هذا المنطق فستعمَّمُ الكارثة التي لا ينجو منها أحدٌ..إن الغش ظاهرة يجب على الـجميع أن ينبذها ويتجنّد لـمـحاربتها، بعيدا عن منطق “تاغنّانت تاخسّارت”، كما أنّ أبناءنا التلاميذ خطٌّ أحمر لا يـجب أن نقحمهم في التجاذبات الفكريّة أو السيّاسيّة الـمختلفة..لأنّ الـجميع سيتضرّر، لسبب بسيط هو أنّ أبناء الـجميع في الـمدرسة، وأنّ الـمدرسة هي الـمحضن الأول لصناعة الـمـواطن الصالح، فإذا صلحت صلح الوطن كلّه وإذا فسدتْ فسد الوطن كلّه..على الـجميع أن يتفق على تحييد الـمدرسة وإخراجها من دائرة الصّراع..لكي تكون نـهاية الـمقال متفائلة، سأضرب مثالا بتلميذ، أعرفه شخصيّا عن قرب، كان زملاؤه يتصلون به كلّ ليلة أثناء تسريب الامتحانات في السنة الماضية ليعطوه الأسئلة، ولكنّه كان يرفضها رفضا لـمبدأ الغش.. وقد نجح بتفوّق دون غش وهو الآن يدرس في قسم الطب..أتـمنى أن يكون أمثال هذا التلميذ، الذي أحييه كثيرا، هم صنّاع الـمستقبل..

نشر